حياة الروح !!

خلال هذه الرحلة القصيرة ... تتكرر لحظات معينة قد لا ينتبه إليها الكثيرون ، لكنها و إن إنتبهت
هى لحظات "لك" مثل هدية لكنها علاوة على إفراح قلبك بجمالها تنعش روحك بصفائها و تغلغلها
فيها لتعيد إليها سلامها و إستسلامها لحبيبها و خالقها من جديد
لم لا نعيش حياتنا كلها نلتقط تلك اللحظات و نأسرها فى قلوبنا و ذاكرتنا حتى إذا ما احتجنا
يوماً نسمة رقيقة تطيب بها أوقاتنا العسرة نجد تلك الهدايا الكريمة من أكرم الأكرمين ؟!!


كأنّ تجلس على شاطئ البحر ... و رغم كل ضوضاء حولك ، إلا أن صوت الأمواج المتلاطمة
و الهواء الذى يعبر خلال تلك الصفحات الزرقاء و الأفق المخطوط أمامك يجعلك ترى بوضوح كل أمورك كأنك تبدأها بالفعل من جديد ...
يشعرك بومضة من المستقبل لكن مع إشراقة أمل كتلك التى تشرق على الأرض الذهبية أسفلك ، و أحياناً ينسيك كل همومك التى آتيت بها فإذا بروحك : ترسم ، تغنى ، تتبسم ، تسعد ... و إذا بك غير مكترث بهذه الهموم التى لطالما أتعبتك .
تجد روحك تتمايل مع الرياح ... تطفو فوق موجات رقيقة ... تمتلئ دفئاً من قرص الذهب فوقها ... لا ترى إلا عالم شاسع ، لا نهاية له ... تتحرر من سجن الأفكار و الضيق ... تشعر بالحرية التى تطلقها فى عوالم أخرى معها تأتى السعادة و يأتى بها كل جميل


أو هل فكرت يوماً فى أن تركب سيارتك فى المساء ، متوجهاً لمكان تحبه و يرتاح فيه قلبك و
تسكن إليه روحك ... فتلمح القمر يداعبك فى الأفق ، كلما تقدمت بسيارتك كان رفيق دربك
فلا يسعك إلا أن تدقق تأملك فيه و تجهز قلبك و روحك إلى السعادة التى تنتظرهما فى
هذا المكان الذى تحب ... فترى جمال هذا القمر و كأنك جديد على الأرض تراه لأول مرة
و تتأمل جماله كأنك لم تره قبل ذلك و ينعشك ضوءه الرقيق فتعود روحك جديدة تستقبل
الحياة من جديد فتجد لذة هذا المكان الذى أنت قاصده.....أمتع من ذى قبل !
فقط لأنك عشت مع جزء من جمال الكون حولك .


إليك فكرة ، لم لا تجلس فى حديقة واسعة ، مليئة بالأشجار الضخمة و فى وقت من الصباح
الباكر الذى معه تدب الروح من جديد فى جسد كل حى على الأرض ... تحس روحك قد عادت
إليك و كأنها وجدت موطنها الأصلى و استراحت فيه .
ستتملكك متعة لا تضاهيها أى متعة ، عندما تستمع لغناء الطيور و قدميك "الحافيتين" تلامس
الخضار الربانى ، مغمضاً عينيك لترى بقلبك جمال بديع الله فى الكون فينطبع هذا الجمال
فى روحك لتفتح عينك و ترى بشكل مختلف ...
ترى جمال الزهور و بريق الحياة فى وريقاتها ...
ترى ضخامة الأشجار حولك و هول حجم السماء فوقك ، فتدرك كم أنت ضئيل و صغير و تدرك
حقاً أن من يدبر لنفسك الضئيلة أمرها فى تلك الدنيا المهولة هو أقرب إليك مما كنت أبداً تتخيل
و تدرك كم هو عظيم ، قدير ، أباح لمخلوق ضئيل مثلك أن يسكن هذه الدنيا المهولة بتدبيره –سبحانه-
و أن تقصيرك لم ينقص فى ملكه ، بل زادك ضئالة فى نفسك أمام الكون بعد الله !!

أحياناً و فى رحم العسرة ، تولد هذه اللحظات ... لا تستغرب !
فإنك فى خضم أمر تعسر عليك قد يسمعك الله كلمات أحد خلقه ،
بها يطمئن قلبك و تسكن روحك ، فتُعِد بعدها عقلك لإعادة التفكير فى تلك العسرة لعله يجد المخرج .

أو قد يسمعك الله قلبك يتلو آية من آيات كتابه الحكيم فتجد أن ربك يخاطبك بها فى تلك اللحظة مقرباً رحماته الواسعة من روحك الفقيرة إليه –سبحانه- فتستشعر وقتها كم أن ربك يحبك ... و كم أنك تذوب فى حبه من واسع كرمه و رحمته .


لكل شئ بداية ... و بداية الحياة "شروق" ، بداية اليوم ، بداية العمل ، بداية الفكرة .
فإنك إذا تأملت هذا المنظر المهيب ، و الذى يلى أحلك لحظات الظلمات ...عندئذٍ ، يأتيك يقين أنك مثل تلك
الشمس ، غبت عن مسارك فقط لتعود أكثر إشراقاً
فيتملكك هذا الشعور الذى تعجز عن وصفه الكلمات ، و الذى  يسرى فى كل ذرة فى جسدك تشتاق للحياة
فتحس بروحك حية كما لم تحس بها من قبل و كأن روحك تتغلل فيك من جديد
و تتجدد فيها خلايا عقلك ، فتولد أفكارك من جديد ، نقية ، مرتبة ....
و يبعثك بصرك خلال أشعة الشمس الذهبية الرقيقة إلى عوالم أخرى تصنعها مخيلتك
فيها شروقك الخاص فى كل ركن من أركان حياتك
و إذا كنت فرحاً ،متشوقاً ، لا يستطيع جفنك أن يغمض ولو للحظات من فرط ما تشعر من سعادة...فإنك تجد نفسك و بكل لهفة....تتنظر الشروق ...
فتحس نشوة داخل روحك ، تخطفها حتى تجد فى نفسك شغفاً بالمنظر و ألا ينتهى أو تغادره أنت ...
تجد أن سعادتك التى كنت تشعر بها قبل أن ترى الشروق ... تضاعفت ... بل و ملئتك حتى فاضت و أغرقتك فيها .


و هناك ذلك الوقت الذى لا يعرفه إلا قليلون من محبى لذات الروح الحقيقية ، ما بين عصر اليوم و
مغيب الشمس ، حين تتجمع أضواء الشمس فى بقع متناثرة حولك فى الغرفة و كأنها تداعبك بدفئها
قبل أن ترحل عن يومك و تترك لك التفكير فى أحلام يوم يليه ...
أشعة الشمس التى ترسم بتناثرها فى صفحة السماء بين السحب أجمل اللوحات ...
و تطلق لخيالك العنان فيها ...
فى هذا الوقت بالذات ، تحس سكينة لربما لا تحسها فى الليل الطويل الهادئ ...
ستشعر بالريح الخفيفة التى يكاد المرء لا يشعر بها ... لكنك وليتها كل كيانك و إنتباهك .. فأحسست رقتها تلامس بشرتك .... تبعث فى نفسك السلام !!
و ستشعر بجمال نور الشمس ، لأنك تعلم أنه أوشك على الرحيل ...
و قد ترفض أن تترك هذا المنظر ، و تظل شارداً أمامه تريد فقط أن تشرد و تفكر و هو يرتسم فى الكون أمامك
و تحلو هذه اللحظة أكثر إذا صاحبك فيها صديق ، أبكم لكنه عميق ، صديق من ورق لكنه أقيم من العقيق ،
كتابٌ و كوب قهوة مع تناغم الكون فى رحلة المغيب .

و لا يكاد يختلف أى اثنين على أنه من أسعد لحظات الإنسان فى نفسه ... لحظات التزكية !!
تزكية نفسك عن نقصها الذى جُبلت عليه و قُدِّر لها رغم أى حُسنٍ بها
لكنها – و بالرغم من خطورتها – لحظات جاءت من أجل روحك ...
فما هى إلا كلمات فيك و لك ، قيلت فيك ... و جاءت لك : تأتيك ظاهراً على لسان الخلق ، لكن لابد من روحك أن تدرك أنها من الخالق
ليعيدك بها إليه ، أو يحثك على الطريق الذى يرضاه ، أو يجبر خاطرك ، أو يذيقك شعوراً كنت تتوق له ...
و قد ترتسم البسمة وقت ذرف الدمع الفَرِح و لا تدرى وقتها ، أأنت سعيد بما يقال فيك من تزكية ؟
أم قلبك يتقطع حزناً و خجلاً من تقصيرك الذى لا يراه من يزكيك لكن يراه من سبب لك وسيلة التزكية من فوق سبع سماوات ؟!
ستجد التزكية دائماً و أبداً رسائل الرحمن لك ، و إذا تجردت عن الكون حولك وقت سماعك إياها و لم ترَ
إلا الله ... وقتها ستحس بتلك اللذة التى ربما تتكرر على فترات متناثرة لكنها ذات تأثير عميق فى روحك
تجعلك تفكر لأيام و أسابيع كيف تكررها ثانيةً ؟!
كيف ستحس بتلك اللذة مرة أخرى ؟!
إنها كما أعشق أن أسميها ... أجمل سر بينك و بين ربك لأنها تأتى و تذهب دون أن يشعر أحد ممن حولك
بها إلاك ... هى لحظات بينك و بين ربك بها تحيى روحك و قلبك من جديد


من اللحظات التى تُسعد القلب أيضاً ، لحظة يقتدى بك أحدهم ...
أو على الأقل أن يرى فيك ما يريد أن يراه فى نفسه ...
تلك أيضاً من الرحمن !! لك و لروحك على الطريق
لتحثك دائماً و أبداً أن تظهر بأجمل صورك أمام الجميع ، لأن الأعين عليك و الأدهى من ذلك أن عين الله عليك
فيراك بأجمل صورة ترضيه ، بل و بفضله تهدى خلقه إليه
لهذه اللحظة بالذات زلزلة فى النفس ، تعيدك لنقاط كثيرة فى حياتك ....
سترها الله عمن يقتدى بك ، كى يقتدى بك ، و يقر عينك بجانب نفسك الذى يثمر خيراً يرضاه الله ...
و كل هذا يفعله الله معك لكى تثق أن بك ما تستطيع به أن تقرب منه –سبحانه- ....
و أنك لست كلك شيطان أو نفس أمارة بالسوء ، و أحياناً تكون من عباد الله الربانيين رغم أى تقصير .

إذا عاشت أرواحنا مع تلك اللحظات ... و غيرها الكثير من اللحظات و المواقف التى تنسج مع الروح خيوط
الأمل و الإستبشار .... و تغمرها بالحياة !!
إذا فقط تأملنا ... إذا انغمست أرواحنا فى روح الكون ... حتماً ستجد أرواحنا موطنها !!
الموطن الذى غاب عنها فى زحام الدنيا ... وسط هول التقدم و الحياة ....
الموطن الذى لطالما كان لها ... لكنها ضلت عنه طريقها دون أن تشعر ...
موطنٌ تسكن فيه ... تطمئن ... تسعد ... تحيا !!
حيت تجد الروح : روح الكون ... هناك تجد خالقه ... و خالقها ! ، الذى يحييها حتى و إن مرت السنون على رقودها بلا حراك كالأموات و ماهى من الأموات !
خالقها ، الذى يسرى بها كل جميل ... و يحيى فيها من معانى الحياة ما هو أكبر من الحياة ذاتها ... يحيي فيها صفاته ، رؤيته فى كل تفصيلة صغيرة  ..... يحيى فيها مالا يوصف بكلمات و الشعور به يكفى الروح ويفيض فيحملها فى تياراته العارمة و هى غارقة فيه ... تود أن تسفر عن جزء و لو ضئيل منه ... و ماهى بقادرة على ذلك و إن بذلت كل جهد له !!

حتى و إن جازفت و حاولت أن أسطر تلك المعانى و المشاعر و تلك الحياة التى لا يستطيع وصفها إنسان و إن بلغ وصفه حد الكمال .... فلن يشعر بها إلا من اشتاق لها ، أو عاشها بالفعل !!
هى حياة ... مع الخالق فقط !
تحيا بها روح .... تراه ، تسمعه ، تتأمل جميل صنعه ، تسعد بما صنع ، تجد فى كل ركن من أركان تلك الدنيا الواسعة التى خلقت فقط من أجلها ... ملاذاً لها من أى ضيق تحسه !!
لأنها تعلم أنها تجد الصانع البديع عند ما صنع !! ....


فى السماء حياتك ... و حياة روحك ، لأنك فى السماء تكون بالقرب من خالق تلك الروح و محييها
ستجد طرقاً عدةً لروحك كى تعيد ربط عقداتها من جديد مع الحياة !!
لكنك ستجد طريقاً واحداً فقط لتوثق تلك العقدات ... و تعقدها للأبد ....
إنها بتلك البساطة ... " جسداً على الأرض يمشى ... و روحاً فى السماء ترتقى "

تعليقات