حقيبة سفر

هبت تحضر أمتعتها ، تلقي بالملابس و المستلزمات في الحقيبة الواسعة
و بعد أن فرغت من تحضير كل ما يلزمها ... نظرت إلي الحقيبة فوجدتها لازالت خاوية !!
الفراغ كبير بها و هي ملئتها بكل ما تحتاج .. أو " ظنت " أنها ملئتها بكل ما تحتاج



ظلت لبضع دقائق تجئ و تروح في أرجاء غرفتها ... يكاد صوت عقلها ينبعث مدوياً بأفكارها الصارخة المستنجدة بأي معين يدلها عما تفتقده في حقيبتها
لكنها تذكرت ... أنها في رحلتها وحدها !!
رحلتها هي بتفاصيلها الخاصة و طابعها المميز ... !!
لكنها لا تريد أن تؤجل الرحلة فهي تتوق للقيام بها منذ سنوات ... و تخيلت نفسها فيها ألاف المرات ... و هي تدرك جيداً أنها رحلة فريدة من نوعها لابد من القيام بها علي أكمل وجه

لم تدرِ ماذا تفعل الآن ... و وجدت نفسها تهبط بجسدها بقوة علي كرسيها المفضل كبناء ينقض
فأغمضت عينيها تفكر في صمت و أرخت كل جسدها راجية أن يساعدها ذلك علي إيجاد ما تفتقده لرحلتها .....

في أثناء جلسوها الصامت همس في أذنها صوت ما .. قائلاً :" أيا أيتها الروح الضائعة ! لمِ حِدتِ عن الطريق و قد رُسم لكِ بوضوح "
التفتت يميناً و يساراً كي تري مصدر الصوت ... لكن هي وحدها ! في صفحة بيضاء فارغة

تكلمت بصوت متهدج من الخوف :" أ.. أنا لم أحدِ عن الطريق ، بل لم أسافر بعد!!"
ضحك الصوت بتهكم قائلاً :" أهكذا إذاً ؟! ، لم تسافري بعد ؟ ... إذاً أخبريني لم أراكِ الآن في منتصف الطريق تائهة متخبطة بين الدروب ؟! "
زاد تشتتها و لم تدرك عن ماذا يتحدث الصوت الغريب
فقررت أن تجاريه في حديثه حتي تعلم منه كل الحكاية ... فردت عليه رد من أستعاد ذاكرته في أمرٍ غاب عن باله :" ربما لأني لا أعلم أي طريق أسلك .. فلابد لي من معرفة وجهتي لأعرف مايستلزمها من ضروريات الرحلة .. قل لي أنت ماذا تراني أفعل ؟! "
انتظرت إجابة ... لكن لم تسمعها !
أعادت عليه سؤالها :" أيها الصوت الغريب ! دلني .. !! "
و للمرة الثانية ... ساد صمت ارتجف منه جسدها
حتي وجدت الصفحة البيضاء تتحول و تتشكل ... و في كل ركن فيها يظهر مشهد ما من حياتها ...
استعادت معها كل ذكرياتها و كل خواطرها الماضية من عزم علي التغيير ثم إحباط و تثبيط نفسها لنفسها ثم عزم علي العودة للطريق .. ثم .. ثم ...
توقف تدفق المشاهد إلي مشهد أخير
هي تجلس علي كرسيها المفضل عينيها مغلقة بجانبها حقيبة سفرها مفتوحة شبه فارغة
ظلت معلقة عينيها علي هذا المشهد تحاول أن تفهم لم يحدث لها كل هذا ... أهي حية أم ميتة ... أهذا حلم أم هذا الحساب !!

انتشلها الصوت من ضياعها قائلاً :" لقد طلبتي مني أن أدلكِ و ها أنا أدلكِ علي ما تفتقديه في رحلتكِ "
عادت لها أحداث آخر خمسة عشر دقيقة و هي تحضر حقيبة سفرها ثم صدر صوتها عالياً كمن يتلهف لتلقي مساعدة من أحد :" نعم تذكرت !! إذاً ماذا ينقصني ؟! لقد شاهدت كل هذه المشاهد و لم تدلني علي غرض واحد ينقصني !!! "
قال الصوت الغريب :" ماينقصك ليس غرض ... ماينقصك هو روح ! "
" كيف لي أن أفتقد روح و أنا نفسي روح !! "
" ليس كل من امتلك روحاً هو حياً بها "
تعجبت من هذه العبارة ... فسألت مستنكرة :" ليس منطقياً أن يكون بداخلي روح و أنا لست حية بها .. فكيف أحيي إذاً إذ لم يكن بروحي !! "
" أنت الآن تحيين بوظائف خلقها الله داخلك لتحييكي ... لتقوي علي الحركة و الكلام و التفكير ... لكنك لم تستخدمي روحك التي وهبك الله إياها بعد ... لتعيشي حياتك الحقيقة التي بها أنت حية بالفعل ... لستِ حية بالوظائف الفسيولوجية !! "
تعبت من هذا النقاش فقررت الإستستلام " لا أستطيع فهم أي شئ ... لقد صرت أكثر تشتتاً و ضياعاً من ذي قبل ... قل لي أرجوك ماذا تقصد بكلامك ... و ما الذي يحدث لي الآن ؟ آهو حلم أم أنني أُحاسب ؟! "
" أيتها الروح الضائعة ! انظري مجدداً داخلك ... تمعني في كل مشهد حولك ... سترين أنما جئتِ هنا كي تستدلي علي الطريق و تبصري ما افتقدتيه طوال رحلتك "
هذه المرة استمعت للصوت جيداً ... و هي تعيد النظر في المشاهد المبعثرة حولها
حتي شخص بصرها في مشهد ما

هي الآن جالسة علي حاسبها المحمول ... أغلب الظن أنها تحادث صديقاتها علي الإنترنت ... ثم يعلو صوت أذان .. فإذا بها تترك كل ما بيدها و تندفع نحو الحمام لتتوضأ و تصلي
و بعد أن انتهت من الوضوء فرشت سجادة صلاتها في غرفة بعيدة عن غرفة جلوسها بحاسبها المحمول حتي لا يكون مُلهي لها عن صلاتها

دمعت عينيها في هذه اللحظة ... بعد أن أنتهت من رؤية هذا المشهد ثم تجولت بنظرها في بقية المشاهد لتري أن كل مشهد فيهم يحوي لحظة من حياتها تارة تري نفسها تصلي بعد الصلاة بربع ساعة ثم بنصف ساعة ... ثم تنسي مرة و تصلي صلاتها قضاء !!
تارة تري نفسها جالسة تقرأ الأذكار بعد الفجر ... و بعد العصر !
ثم تقرأها بعد الفجر فقط !! ... ثم لم تعد تقرأها ... ثم عادت تقرأها لكن ليس كل يوم بإنتظام !!

هنا أدركت ماذا يحدث ، هنا في تلك اللحظة بالذات ، في هذا الموقف التي لا تدري إلي الآن آهو حلم أم أن الوقت قد فات !!
هنا و الآن ، أدركت أن ما تفتقده في حقيبتها هو " روحها الضائعة "
روحها التي لطالما أرادت أن تراها قريبة فانتهي الأمر بها في منتصف الطريق !!

انتفضت من جلستها و قامت كمن لدغه عقرب من فوق كرسيها المفضل ... تمسح العرق المصبب علي وجهها و أصوات أنفاسها تعلو صعوداً و هبوطاً
فقد كانت تحلم !!!
نظرت حولها ... النافذة مفتوحة ، الستائر مسدلة ، صور العائلة معلقة علي الحائط ، سجادة الصلاة المثنية في ركن بعيد ، و مصحفها الذي احتلت ذرات الغبار عليه مواضع بصماتها ، و صوت القرآن يدوي من راديو قديم لديها كانت تحب مظهره العتيق

انتبهت لنفسها و هرولت ناحية حقيبتها تفتحها ... فوجدتها كما تركتها شبه فارغة !
فألقت بملابسها و المستلزمات التي استغرقها الكثير من الوقت لترتيبها داخل الحقيبة بشكل مهندم خارج الحقيبة
و أغلقتها و أعادتها مرة أخري إلي مكانها
و قامت تتوضأ لأنها تذكرت أنها لم تصلِ الظهر بعد ... و بعد أن صلت الظهر نظرت للساعة المعلقة في غرفة الصلاة الخاصة بها فوق مكتبة الكتب لتجد أنها صلت الظهر بعد موعده بربع ساعة فقط !!
ابتسمت رغم أنها لم تصله في موعده ... لكنها أحست أن جزءاً من روحها يعود إليها شيئاً فشيئاً
و فضلت أن تظل جالسة علي سجادة صلاتها لبعض الوقت فقط لأنها تشعر بسكينة و طمأنينة هنا دون حراك .. دون فعل أي شئ
فقط تتأمل شعاع الشمس المتدفق بخفة من بين فتحات الـ "شيش " الضيقة صانعاًَ بقع من الضوء في كل مكان حولها  ... يلامس دفء أشعتها وجهها و يديها لكنها شعرت أن تلك الإشعاعات الضيقة اخترقت روحها ... و ملأتها نور !

و إذ بها تحرك لسانها بهمس رقيق و صوت كأنه يستنجد و يستعطف :" استغفرك ربي و أتوب إليك ... ياربي ردني إليك رداً جميلاً ! "

هكذا أجلت صديقتنا رحلتها ... لأنها أدركت أن هذه الرحلة بالذات هي رحلة من نوع خاص
رحلة لابد فيها أن تصطحب روحها معها ، و إلا فلا فائدة أو قيمة تذكر لهذه الرحلة علي نفسها !!
و قررت أن تُعد نفسها و روحها أولاً ... حتي تذهب لهذه الرحلة و تغنم منها كل ثمراتها بلا خسارة أي ثمرة منها
و بدلاً من أن تملأ حقيبة السفر بالحاجيات ستملأ روحها بالمغذيات التي ترتقي بها و تنقيها و تجعلها دائماً في وفاق مع نفسها و إنسجام مع الكون حولها لقربها من خالقه !

رغم أنها أفرغت حقيبتها كما ذكرنا آنفاً ... لكنها الآن في هذه اللحظة و بعد هذا القرار أحست أن حقيبتها قد امتلأت عن آخرها رغم أنها لم تصطحب معها الملابس و المستلزمات
أحست أن حقيبتها كانت فارغة لأنها كانت بداخلها فارغة
كانت في فجوة داخلها تمتصها لمكان سحيق و انتشلها هذا الصوت الغريب الذي لم تعرف بعد ماذا كان !!

هي الآن تنطلق بخطوات ربما بطيئة لكنها ليست واقفة في منتصف الطريق بلا تقدم كما كانت!
هي الآن روح !! ليست فقط مجرد أنفاس !

تعليقات

  1. لا استطيع منع نفسى من اعاده قرائتها بل تشربها <3
    دمتى مراما <3
    هذه الخاطرة هى الاعز لقلبى الان وتتربع على عرش رحله خواطرك <3
    مى

    ردحذف

إرسال تعليق