إستغاثة غفلة
لا تفرح بعلمٍ أتاك ، ولا تتباهي بهبة ميّزتك ، و لا تشدو غناءً
بكلمتين كنت قبلها لا تفقه شيئاً و صرت بهما منبر الجلسات !
فما أتاك ليس بباقً إن ركنته ، و إذا غفلت عما ميّزك جَدُب
و انطفئ بريقه ... و حديثك سيصير تكراراً رتيباً كترديد
الببغاوات منحصر في كلمتين لا أكثر ، ولا أفعال تؤيدهما فتكسر
رتابتهما و لو لثانية
و إن كان وردك ما لم يرد علي كثير ممن حولك في نفس عمرك
و نفس ظروفك ، فلا تمشِ مُفاخراً به كالطاووس ... يستعرض
ريشه الملون في ترتيبه البديع ، فتنسي أن تكمل خطواتك
بشكل سليم و تصبح تائهاً ، مشتتاً ، مُعرقَلاً في خطواتك ذاتها !
لكن إن أتتك اللحظة التي تصفعك علي وجهك بهذه الحقيقة ، و
تضعك علي منتصف الطريق إنتظاراً لقرارك المصيري ...
فالأحري بك أن تنصت جيداً لتلك الكلمات :
إن كان آتاك شيئاً حُرمَه كثيرٌ حولك ، فذلك فضل ... لا تنكره
لكن لا تظل عاكفاً تتغني به أبد الدهر ولا تعمل مزيداً لتستحق
نيل غيره و أكثر
فكما جاءك سابقاً سيأتيك بعدها مراراً و تكراراً ، فإنه لم يُقدَر لك
إلا لشئٍ فيك ، يجذبه ... فلا تدفنه و تتناساه ، اعمل عليه و به
فيأتِك مجدداً رزقك القديم
و لتَخُط روايتك وحدك ، دون الإلتفات لروايات الآخرين
بفصولها التي تبدو لك براقة تأسرك فتظل في طياتها حبيساً و
يغزو روايتك التراب من الركود ... غض بصرك و مسامعك
عنها ، فوحده العدّاء اليقظ من يضع عينه علي راية النهاية لا
علي المتسابقين الذين يسابقونه علي الطريق إليها و إن كانوا
أسرع منه و ألمع !
و لا تقارن حتي و لو لتستمد الحماس ، لا تقارن نفسك إلا بذاتها
و لا تقبل أن تأخذ من الآخرين سوي التصفيق إعجاباً و إنبهاراً
لا تشجيعاً و تحفيزاً
اشحذ نصال غيرتك المشروعة ، التي تزداد انغراساً في قلبك
كلما رأت ناجحاً أو متميزاً أو صاحب إنجاز ، فتأنّ ذاتك علي ما
فاتها... أحِط نفسك بأصداء أنينها هذا ، اتركه ينهش في أحلامك
الحية داخلك و طموحاتك قيد التحقيق ، ثم استند علي ذاتك و
ارتكز علي ألمك ، فلتتخذ من شغفك درعاً و من عملك سيفاً و
قُم...قُم و حارب دون ذاتك لا أحلامك فقط ، و لتجعل من ألم
غيرتك طريقاً يقود للذة النصر !
لكلٍ منّا جبلٌ خاص ، هو ملخص أهداف حياته و رحلته نحو
تحقيق الذات ... تقبع في قمته كل أحلامه و طموحاته و كل ما
قال يوماً أنه إليه يصبو ، كلما حقق منهم شيئاً تضائلت المسافة
أمامه و ارتفع درجة صعوداً
لكن مابقي من المسافة يزداد وعورة و مع أول يدٍ ترتفع لتمسك
بصخرة أخري تساعده علي الصعود قليلاً سيجد حبات الحصي
تتساقط عليه منذرة بما ينتظره من مخاطر أو ربما يجد المناجم
البراقة تستوقفه لتلهيه... و إليه القرار ، إما أن يرمي بروحه و
كل ما فيها في قلب هذا الجبل و يصعد متناسياً كل الوعورة و
الإنذارات مُلقِياً المناجم البراقة وراء ظهره لا يري أمامه
سوي ضباب القمة المنير بسني أحلامه هناك ، أو أن يقف
مرتجفاً ... لا يجرأ علي الصعود لمهابة الأخطار ولا يقوي علي
الهبوط تجنباً للخسائر ... لا يدري أنه بوقوفه كهذا بوسط
الطريق بعد أن كان يرتقي شيئاً فشيئا قد خسر كل ما كان له و
كل ما كان يمكن أن يكون له ، و ليته يعلم أن قمة الجبل الذي
يهابه تُخبّئ له كل ما كان يتمناه
فلتقسم إما أن تعيش علي قمة جبلك أو أن تموت و أنت في
الطريق ... و في كلتا الحالتين أنت من المُرتقين !
تعليقات
إرسال تعليق