الرحلة: فرصة العودة من جديد 1

تشتاق النفس في بعض الأحيان لمسٍّ من الجنون ، خارجٍ عن المألوف ، كسرٍ للمعتاد مع لمسة هدوء داخلك تسمع معها أصوات أعماقك بكل وضوح أو ربما تسمح للأفكار الجديدة أن تمر من مصفاة عقلك مُنقّاة مُنتقاة.

أنا بطبعي أعشق المناظر الطبيعية ، أجدني أمامها في حاجة للصمت التام .. للتأمل .. أحس وجودي فيها كأنه تصليح لكل شروخ الروح و الجسد ، كأنه يتم تنقيتي من كل الشوائب و التراكمات التي تتركها الدنيا بهمومها و مغرياتها التي ترهق النفس في الحصول عليها واحدة تلو الأخري.
و أمام المناظر التي رأيتها في تلك الرحلة ، كنت عازمة ألا اقف فقط لأتركها تصلحني و تعيدني مشحونة الطاقات بل سأستغلها لتبقي كرسالات معي أتذكر أثرها في الفعل لا فقط في القلب !

فكنت كلما مررت علي منظر استحوذني و تأملته ، كنت التقط له صورة من أكثر زاوية مساساً بقلبي و أكتب عنه نبذة مما ألقاه هذا المنظر في خاطري ..

فكان في شروق اليوم الأول علي الطريق ، رسالة للروح بأن شروقها حتماً قادم و غيومها لابد أن تنقعش و لو بعد حين.
هي فقط تحتاج ما يحتاجه أي شروق : 
سكون ليل يجتاح ضوضاء النفس ، لحظات ظلام يشتد قبل أن يخترق النور ثنايا الروح ، نسمات باردة تعيد إلي المرء رشده و ترتب له خواطره المبعثرة 




و تلي الشروق ، مروراً بطُرق لا يحدَّها سوي الجبال - كبيرها و متوسطها- كلما التفت وجدت عِقداً من الجبال أمامك مسبوغ بإتقان و مُتعاقِب في سلاسة، ربما ليُذكِّر النفس أن جبروتها البشري الزائف و وهم تمركز الكون حول أمرها لا يفلح مع مثل تلك الكائنات المَهيبة و أنها أمامهم ليست سوي ذرة أُلقيت في المحيط ! 
ثم ما تلبث أن تصل بنفسك للتسليم و الاستسلام التام لضعفك و نقصك و إحتياجك الدائم .. له -سبحانه- ، للقوي الدائم و الفاعل المُطلق و الصاحب في رحلة الحياة

حين انتهينا من طريقنا الطويل ، و وصلنا لمعسكرنا .. حلّت مرحلة الصمت الجميل !
الصمت ، ليس دائماً ساكن خاوي ..
أحياناً يحمل تأوهات لا يقوي عليها سوي جندي شجاع من جنود الصبر، أحياناً تجده سعيد ، ممتن .. قرير العين و البال
وأحياناً يحمل الصمت قبسات نور ، تستكشف بها ذاتك لأعمق ما يكون
و أحياناً تجده ينسج من الخواطر الدائرة في القلب و العقل أجمل لوحات الخيال ، تجعلك تعيش حلمك مراراً و تكراراً في لحظات من أصفي ما يكون
لكن الأكيد أن الصمت في حرم الجمال ، هو في حد ذاته ... جمال! 

و لم يكن ليزورنا الصمت وحده دون اصطحاب ما يجبرك علي الجلوس معه عن طيب خاطر و سكينة قلب، فأتي معه منظر من أروع المناظر وقت الغروب في المعسكر و كأننا كنا نري لوناً أرجوانياً في البحيرة يكسوها بالكامل
فيكتمل المنظر بسماء خافت لونها اللبني يميل للرمادي الفاتح ، و جبال تلوح من بعيد مع أشعة الشمس الأخيرة المائلة للبرتقالي و أمامها بحيرة أرجوانية .. و بالطبع زائر الصمت الجميل !
فلمثل هذه الأجواء تجد أخيلة القلب و الفكر طريقها في الخروج. 

حين انتهي وقتنا في المعسكر و حان وقت الإستعداد لمغامرتنا المنتظرة ... هممنا بالرحيل في حافلاتنا و التوجه لمكان الجبل !
ثم لم تتركني الطبيعة وحدي لحظة ، فهاهي قد أرسلت أصدقاء المساء المُرافقين لنا في طريقنا للجبل
قرص القمر الساطع ، نوره يضئ الجبال أمامه كقطعة من ألماس في جيد امرأة حسناء
و رفقائه النجوم ، الذين الآن يسطعون بشكل ملحوظ إلي حد كبير .. لم أعد أراهم بهذا العدد في المدينة !
كأنهم يحييون وطأة قدم البشر في أرضهم النقية ، أو كأنهم يخاطبونك .. لا يريدون ترك وحيداً في صحبتهم .. و يخاطبونك بأكثر أحلامك قرباً لقلبك الشغوف !

و بين إحساسك أن الكون يصاحبك ألطف صحبة لتسلية الطريق و ربما بعث الطمأنينة في نفسك المقرة خفية بضعفها أمام الكون
و بين إحساسك أنك مع ظلام الليل الدامس في تلك المنطقة الجبلية أنت مجرد فريسة سهلة لبراثن الليل
كلها رسالات لك ، أنما لم تبقَ إلي هذه اللحظة إلا بحفظ الله و عنايته .. حتي و لو لم تفعل ما يستوجب عليك تجاهه ، هو يرعاك أينما حطت قدماك !

و هاأنا ذا ، أقف أمام أكبر مغامرات حياتي إلي الآن ...

يتبع ...

تعليقات