الرحلة : فرصة العودة من جديد 2

شبّه الكثيرون الحياة بسلاسل الجبال ، يومٌ صعود و يومٌ هبوط .. الآن أنت في السفح و غداً تبلغ القمة ، و ليقهر أحدهم شيئاً ما في نفسه ، فعليه بتخيل نفسه يصعد جبلاً شاهق الإرتفاع حتي إذا وصل لقمته كان قد تغلب علي كل ما كان يسيطر علي إرادته الحرة قبلاً.
و ها أنا ذا ، لأول مرة في حياتي أتسلق الجبل ..فعلياً !!
أتسلقه كأنه آخر شئ سأقوم به في حياتي ، كأنه الإنجاز الوحيد الذي سيكتب في تاريخي و كأنني بوصولي لقمته .. سأكون قد قهرت تلك المُضغة في نفسي ، التي تردعني كلما هممت بالقيام بشئ.
كدت أن استسلم عدة مرات ، بل جلست محلي عدة دقائق و الباقيين يصعدون أمامي ، حتي ظنوا أنني قد ركنت إلي صوت الضعف داخلي و استسلمت .... لكن في كل مرة كانت تروادني أفكار الإستسلام الخبيثة، كنت أتخيل القمة !.
كنت أتخيلني علي القمة ، مبتهجة الأسارير بما أنجزت ، استمتع بأولي أشعة الشمس و هي تلفح وجهي البارد بلمسات الدفء الرقيقة ، تخيلت و أنا ألتقط الصور لهذا المنظر المهيب الذي ينتظرني فوق .. ينتظرني كي أتأمله ، أرسل خواطري فيه بين ثنيات الحروف مسترسلة ، ينتظرني كي تقابله أخيلة فكري و قلبي فتكون في رحابه سابحة
 أما و قد تخيلت ما ينتظرني ، فقد كنت أهمّ علي ساقيّ أنفض عنهما تراب الجبل و أنفض معه ضعفي و استسلامي .. و أكمل ما بدأت !.
بمجرد أن لمحت القمة ، لم أصدق نفسي .. أفعلتها حقاً أم هذا سراب من إثر الإرهاق المدوي في كل ذرات جسمي ؟!.
الآن ، أقف علي قمة الجبل ... أدرك أنني آخر من في المجموعة وصولاً للقمة ، ولا آبه لهذه الحقيقة كثيراً .. فما يهم هو أنني وصلت أخيراً
أقف الآن علي القمة و أشاهد أولي خيوط النور تتوغل في سماء الليل الذي كان يغيم علي أرجاء الجبل في رحلة الصعود حتي كدنا نظن أن لا نهاية لهذا الجبل، أري قرص الشمس يرتفع علي استحياء ، كأنه يرسل تحياته لأهل الأرض رويداً رويداً قبل أن يغمرهم بدفئه و نوره، أشعر بنسمات البرد غير المعتادة فوق هذه القمة و هي تعيد الحيوية لكل خلية في جسدي الذي أبلته رحلة الصعود تلك.
و بالرغم من وصولي الأخيرة ، شعرت كأنني أول من وصل ... حينما مرت أمام ناظري مشاهد ضعفي أثناء الصعود و لحظات كدت استسلم فيها لكني لم أفعل نشوة انتصاري علي ذاتي في تلك اللحظة لم تغمرني فقط بالسعادة بل شعرت معها بالأمل ! الأمل القادم في حياتي .. بيني و بين ذاتي ، بيني و بين ربي ، في دراستي ، في أحلامي و رحت أردد " إذا أمكنني صعود هذا الجبل الشاهق رغم كل تعبي و عدم اعتيادي علي مثل هذا المجهود ، إذاً ماذا يقف في طريقي بعد الآن ؟! " ... "لا شئ"، هذا ما قلته لنفسي حينئذٍ
 ندمي الوحيد فوق القمة ، هو أنني لم اقتنص لنفسي و لو بضع ثوانٍ أغيب معها بروحي في المنظر الساحر الذي كان منظوماً بإتقانٍ أمامي انشغلت بتسجيل الحدث عن الحدث .. لكن سلواي في أن كلاهما كان سيعود عليّ بفائدة كبيرة و قد استغللت أحدهما جيداً في تطويع تلك الفائدة

لا تتاح لك الفرصة كل يوم لخوض تجربة كتلك .. لذا فحين تأتيك الفرصة لا تترد ، و اقتنصها .. بل انقض عليها بشدة و لا تدعها تمر أمامك مرور الكِرام
فغالباً ما تكون تلك الفرص للإختلاء بالنفس أو حتي للتواجد في مثل تلك المساحات الشاسعة الخالية من العمران و التي تتأصل فيها نفحات الطبيعة الخالصة .. تلك فرص لتنقية ذهنك و إلهامك و شحن طاقاتك من جديد
حتي لو لم تفعل هذا كله ، فيكفيها أن تكون لحظات مغامرة تكتشف فيها نقاط قوة داخلك لم تكن لتكتشفها في الظروف العادية!

الرحلة كلها ، بكل مناظرها الخلابة ، أصوات خرير الماء في أبهي البحيرات حُلّة ، مشاهد الجبال القوية مندمجة مع لين و سلاسة مسطحات الماء كانت بمثابة فرصة للعودة ..
العودة إلي المسار الصحيح ربما !

تعليقات