"إنسان" و زمنِ ...

قبل أن تستعد لقراءة تلك الكلمات، و قبل أن تهيئ لها مكاناً في عقلك أو تفسح لها المجال في عالم أفكارك تذكر جيداً أنها من أحد بنى آدم الضعفاء، هواه يغلبه كثير من الأحيان، و فكره يزدحم عن آخره بالمتناقضات، ابن آدم الذي لم يبدأ أولى خطوات رحلته في البحث عن الحقيقة. ربما تجد النص التالي عشوائي الأفكار، يقفز من فكرة للأخرى و يتناول الكثير من الأفكار، لكنه ينبع من نفس الإنسان الضعيف الهش، الواقع تحت ضغوط الحياة و عوامل النضج الفكري و الروحي. فرجاءً استمع للكلام مُجرداً من قائله، يُصِبْك منه خير ما أرسله الله فيه ولا يَمَسّك منه نقص من نقص قائله.
* * * * * * * * *
#العقل_في_زمن_البهائم
إنسان عشريني، دعنا لا نصنف جنسه شاب أو فتاة فنقع في متاهات المفارقات بينهما، إذاً هذا الإنسان يعيش في زمننا الحالي، و في بلدنا الغنية عن التعريف أو سرد حكاياها و مآسيها
إنسان سعى منذ ألهمه الله الوعى و الإدراك بكل ما حوله، سعى أن يكون هو الرقعة البيضاء في خلفية يكسوها السواد، أن يشذ عن القطيع بهدف تحويل القطيع إيجاباً عن مساره الخاطئ.
إنساننا العادي يعيش في زمن الإبتلاءات، فالسرعة و التقدم و التطور هم أسهل صورة نحكم بها علي إيجابية العصر لكن يخفون ورائهم كل ما يمكن أن يشوب هذا العصر و يدرجه تحت مسمى "عصر الإبتلاء".
و هناك في بلده، الذي لم يكن يأبه بحاله منذ خمس سنوات، قبل قيام الثورات و الإعتصامات و التغييرات، عاش فيها كالبهيمة التي تعيش في الحظيرة، لا يهمها من الحظيرة أن تكون مُزينة المظهر أو عَطِرة الرائحة بقدر ما يهمها أن تجد في تلك الحظيرة مأكل و مشرب و حمى من المطر أو الشمس الحارقة. حتي سارت الأقدار بشكل مختلف، و تغيرت الحظيرة و تغير فِكر بقية المحيطين به فيها، فتأثر معهم بنفس التأثير و سار يفكر في حظيرته بشكل مختلف: " يمكن أن تكون ذات مظهر أكثر جاذبية من هذا الكئيب الخالي من الروح" " لِم جودة الطعام دائماً واحدة؟! لِم لا تتغير كل حين؟"
لكن منحنى التغيير الذي طرأ علي الحظيرة لم يظل صاعداً، بل رأي في هبوطه رحلة أقل تكلفة و جهداً فلم يسعه الإنتظار كي يعود لسكون الهبوط.
و سارت البهائم سير المنحنى، لكن مع هبوطهم لم يقدروا علي مواجهة أن يراهم الآخرون في غير القمة، فصنعوا لهم أشباهاً مماثلة فوق القمة، جامدة لا تتحرك، أقنعة هي تعطي صورة لمن يرى المنحنى أنهم لايزالوا في القمة بينما هم من درك إلي درك في أسفل سافلين !
مدراء يتظاهرون بالخبرة والقدرة، و رعايا يتظاهرون بإحترام مدرائهم، فيتظاهرون بالعمل و الإجتهاد، ليتظاهر المدراء بالفخر، و تتظاهر المؤسسة جميعها بجودة العمل! و علي نفس السياق، أساتذة يتظاهرون بالعلم، و تلاميذ تتظاهر بالتعلم، فيتخرجوا و يتظاهروا بالعمل، فتتظاهر بلادهم جميعها بأنها استنارت .. و هكذا في حلقة مفرغة خالية و جوفاء، منزوعة القيمة و عدوة للحقيقة البحتة بأن " لا عمل حقيقي يُنجز ولا نجاح حقيقي يتم تحقيقه، ولا علم حقيقي يُدرس ... في بلاد الزيف" !

تذكرون المنحنى الهابط الذي تحدثنا عنه، ألم يخطر ببال أحدكم و هو يقرأ، لِم وجد المنحنى هبوطه أقيم من القمة علي تناقض هذا مع المنطق ؟! في القمة أنت دائماً في حرب، أنت تحارب لتحافظ علي مكانتك، تحارب كل السلبيات، كل العوائق، تهرول و تستهلك من قواك لأجل تحقيق ما يناسب وجودك في القمة .. و قد تفني عمرك كله في تحقيق هذا، لذا بإختصار إذا كنت في القمة إذاً أنت في كبد مستمر ! لكن عند الهبوط، لا تستغرق إلا ثوانٍ لتلامس القاع، ولا تبذل مجهود حتي كي تهبط فأنت تترك نفسك للجائبية و هي تجرّك ناحيتها، فأنت لا تعمل، ولا تشغل بالك ولا تتكلف إلا فقط القفزة الأولى إلي هاوية لا قاع لها. و عندما أدرك مَن في الحظيرة، كم هو مُرهقٌ الحفاظ علي منحنى التغيير صاعداً، ركنوا إلي شهوتهم القاتلة في الخمول، و استمعوا إلي شيطانهم الذي يريد الحصول علي كل شئ دون بذل الجهد أو الفِكر لأجله، و قفزوا إلي الهاوية عن طيب خاطر و "استحمار" لإنسانيتهم التي ما عادوا ينتموا إليها بنقرة، و عندما ثارت عليهم شهوة الغرور و التكبر في الأرض، وجدوا في أقنعتهم حل سهل لإخمادها.
و إذا ألقينا النظر علي إنساننا صاحب القصة، وجدناه لصغر عدد أيامه في هذه الدنيا مُساق مع القطيع من ذوي الشيب و التجاعيد التي تغزو وجوههم كما تغزو الحلقات جذع الشجرة العجوز، ظاهراً هو يهبط معهم لكن داخله يدرك جزء من الحقيقة يدفع عالم أفكاره أن يحارب ليرتفع، يرى تمثيليتهم الخادعة، فيصيبه الأسى من هذا الحال تارة، و يعتريه بركان غضب متفجر تارة أخرى. ليس أمامه إلا أن يسعى، يسعى لتغيير حاله حتي و لو لم يغير حال الجميع، يسعى للهروب من القاع ما وسعت قواه و إن كان في هذا حرب معلنة علي بقية القطيع ! لكنه مع كل خطوة، و مع كل فعل أمامهم، يتهموه بالمثالية و عدم الإتساق مع الحقيقة... !
الحقيقة التي لا يكاد أعقلهم يعرف عنها أدنى معرفة، ليصبح عقله المتفجر بالأسئلة و الساعي لكشف الأقنعة المريحة للضمائر و المسكنة لأي حث بالجد و العمل تهمته الأبدية !

https://soundcloud.com/ali_339/eljoker-ezdwgyt-m3ayeer

تعليقات