ما وراء الشرنقة
تحلم في ليلها دوماً بأنها قد خرجت من الشرنقة و قد صارت فراشة صغيرة مليئة بالحيوية، تنتشر في الأرجاء بألوانها المبهجة، رغم صغر حجمها و ضآلته مقارنة بالعالم حولها إلا أن شيئاً لا يمنعها عن نشر السرور أينما حلت، لا ترى هول أي عقبة، بل بقوة تتحداها، و تضرب المثل في خوض الحياة بحلوها و مرها بقلب قوي لا يتأثر بشئ. كانت تؤمن بالكثير عما يمكن أن تكون الحياة عليه حين تصير فراشة.
ثم ما تلبث أن تدرك، أنها كانت تغزل أحلاماً وردية هشة، سرعان ما اعتصرتها قوة خيوط الشرنقة و هي تلتف رويداً رويداً حول جسمها، لم تتخيل أن أولى خطوات حلمها بهذا الألم !
و ببطء رأت العالم و هو يختفي شيئاً فشيئاً، و تابعت في ترقب و صمت النور و هو يحيد عن محيطها، الذي تحول لبيت مظلم و ضيق يلتف حول جسدها الصغير بإحكام.
لكن لازال صوت أحلامها يتحرك بشغف داخلها، يحدثها: " لا تفقدي الأمل، فإن بعد تلك الظلمة نور جديد بعيونك الجديدة حينما تصيرين فراشة... حينها كل شئ سيبدو أفضل و سيتحقق كل ما آمنت به"
فكانت تركن إليه، و تجد فيه سلوىً لها عن كل شئ.
ثم يأتي اليوم الذي تتحلل فيه خيوط الشرنقة، و تحرر فراشتنا تدريجياً، حتي تأتي لحظة اليقين التي لطالما انتظرتها منذ كانت يرقة صغيرة تحلم بالطيران من زهرة لأخرى و من بستان لآخر، تفتح جناحيها الملتفين علي عينيها لتستقبل عالمها الجديد ... لتجده ليس بجديد!
لم يتغير العالم بتغيرها، و لم تتغير نظرتها ولا عينيها لترى كل شئ أفضل .. "ماذا يحدث؟ لِم لازلت أرى نفس العالم القديم، ألم يتغير في شئ؟!" حدثت نفسها في ريبة، لكنها سرعان ما استعادت روحها المتفائلة الحالمة من جديد و انطلقت تجرب جناحيها الجديدين
حاولت الطيران، لتجد أن جناحيها لا يستطيعان حملها سوى لمسافة قريبة من الأرض، دفعت نفسها بأقصى جهد أن ترتفع بجناحيها قليلاً لكن خانتها قواها التي خارت و توقفت فجأة من التعب.
وسط مشاعر مختلطة، قررت أن تنحي أمر الجناحين جانباً و تنطلق لتستكشف المزيد من عالمها الجديد، استسلمت لمستوى الطيران المنخفض كونه وسيلة التنقل الوحيدة لها الآن، و ذهبت للبستان القريب لتكتشف ماهية عملها في الحياة.
عندما وصلت، راعها ما رأت، " أين الفراشات المبتسمات الطائرات في خفة و مرونة من زهرة للأخرى؟! .. لم الكل متهجم هكذا! و لم يتحركون كالإنسان الآلي في نمط واحد بلا خطأ ولا حيد"
هنا، لم يعد الأمر مجرد خيبة واحدة لإحدى أفكارها الزهرية عن عالم الفراشات، بلغ منها القلق مبلغا عظيماً و مال شكها لكفة اليقين في أنها ربما ارتكبت خطأ شنيعاً و لم يجدر بها تمني أن تصير فراشة بهذه السرعة قبل أن تستعد.
أحست أنها وحيدة جداً مع أفكارها المرعبة، فلجأت لجماعتها جماعة اليرقات لكنهم الآن صاروا فراشاً متعدد الألوان و الهيئات، هرعت إليهم بالسؤال مفزوعة، لتجدهم جميعاً يعيشون نفس النمط و لا يتسائلوا حتي أو يبدوا أقل قدر من الإكتراث. و زاد ضيق صدر فراشتنا المسكينة بعض العبارات التي وجهها لها بعضهم " توقعنا ممن بمثل قوة تحملك و إقبالك علي الحياة ألا يكون رد فعلها هكذا تجاه حلمها الوحيد بعدما تحقق... لَم نظن هذا بك"
أو " كيف لمثل من بعقلك ذو الآفاق الواسعة، أن يتصرف هكذا"
"لقد خيبتي آمالنا بأفكارك تلك، ظننا أنك أفضل من الانتباه لكل تلك الثانويات"
ظلت أصداء عباراتهم تتكرر في عقلها بتتابع مخيف، لا تسمع منه حتي صوت عقلها. تركتهم و لم تعلم، لم انصرفت عنهم محملة بالمزيد من الأثقال و الهموم !
أحست أن مثل تلك الأشياء لن يجيبها عنها أحد سوى نفسها، هي من تعيشهم في النهاية لذا هي من يتوجب عليها أن تكتشف حقيقة ما تعيش لتتمكن من تقبلها.
ظلت تجوب الأرجاء هنا و هناك بحثاً عن إجابات شافية للتساؤلات التي تكاد تفجر رأسها، و كلما تحركت رأت في رحلتها كائنات أكبر، أعظم، و أقوى.
و حالما رأت الكون الشاسع حولها أدركت أخيراً أنها بمثابة النقير في هذا العالم، هي أمام كل شئ أكبر و أعظم منها. هي ليست كل ما تمنت أن تعيش و نسجت خيوط أحلامها حولها، فالحياة فاجئتها بكل ماهو غير متوقع.
لم تجد مفر من هذا الحديث مع نفسها:
" لم حلمت أن أصير فراشة؟! .. ألأواجه هذا العالم المخيف وحدي!
لم تحرقت شوقا للقاء مثل هذا الفراغ العملاق الذي أنا فيه لاشئ .. لا شئ علي الإطلاق.
حلمت أنه سيكون لدي جناحين بقوة الريح العاتية يحملانني أينما وددت و لأي مسافة كانت، حلمت أنني سأزداد قوة علي قوتي و حيوية علي ما كان بي من حياة، و أنني سأستطيع المواجهة كما لم أفعل من قبل .. لكن وجدتني أضعف من أي وقت مضى !
جناحاي ضعيفان لا يسعهما إلا الطيران بإنخفاض، جسدي ضعيف البنية تتخبطه الرياح كالريشة الخفيفة، حولي كائنات أكبر و أعظم هم من لهم السيطرة لا أنا !
العالم أمامي يرهبني، و جماعتي خلفي يحزنني عدم اكتراثهم لمثل تلك الأمور التي يسمونها ثانوية، لم يعرفوا أنني شكلت حياتي بأكملها حول تلك الثانويات .. و الآن أنا ضائعة في وسع هذا العالم.
منذ اللحظة الأولى لإنبعاثي من شرنقتي و كأن العالم يستقبلني باختبار لأحقيتي في العيش ضمن قاطنيه. يختبرني أأكون علي قدر التحدي و الإختبار أم يجدر بأمثالي أن يكون مكانهم التراب !
أين قوتي التي عهدتها في من قبل؟ حين كانت تواجهني الصعوبات و أنا يرقة ضئيلة، و كنت أتلقاها كأجسر أسد في الغابة، بقلب قوي لا تهزه الصعوبات و عقل صافٍ يفكر دوماً في الجانب المشرق من كل شئ، و حماس و شغف و كأن الحياة مكان لا عيب فيه ولا سوء !
ربما كنت أنا العيب الوحيد في هذا التخيل .. ربما كنت أعيش عالمي الخاص لا العالم الذي أنا فيه بالفعل، لهذا فقدتني في عالمي حين أفقت علي هذا الواقع، و صرت أنا كما أنا الآن .. أنا الحقيقية، بضعفي و قلة حيلتي و ترددي و انكساري، بأحلامي التي تبتلعني داخلها بوسعها الشديد، بخوفي من كل مجهول لم يخطر لي ببال. كل هذا و صورتي في عالمي المثالي تجرحني بكمالها !
ثم يأتي الجميع ليتهموني بخذلان توقعاتهم الرائعة عني!
تلك التوقعات التي حملتني فوق أثقالي، أكان يجدر بي أن التزم توقعاتهم؟! أم أنهم علي خطأ أن يلزموني بأي شئ في الأساس!
ربما هم علي حق، لكن متي أكون أنا علي حق!"
عاشت فراشتنا أياماً و أسابيع، تكافح لتظهر أنها بخير و هي من داخلها تتفتت كما الورقة بعد حرقها، بعدما كانت الحياة في عينيها ألواناً زاهية و زهور و بساتين، أصبحت لا ترى من الحياة إلا جانبها المخيف، المكشر عن أنيابه و المتوعد لها بالتعاسة!
قد يتسائل البعض عن سر التحول الشديد في نظرة الفراشة علي العالم، و ربما هذا ما كشفته الفراشة لنفسها بعد أيام من المعاناة، حين قررت أن تجلس إلي نفسها لتصارحها و تكشف عنها الأقنعة التي تختبئ ورائها و تخبئ معها الحقيقة الشافية.
اخطأت الفراشة في اعتقادها أنها ستظل قوية و سعيدة و متفائلة للأبد، ربما كانت تردد جمل مثل " بالطبع ليست الحياة صعوداً فقط" و " لن نعيش في سعادة طوال الوقت" لكنها لم تكن أبداً تدرك هذه المعاني بقلبها و جوارحها، كأنها كانت ترددهم لترتقي بنفسها فتصل لسقف توقعات جماعتها، و تثبت لهم أن أفكارها ليست ساذجة ذات أحلام غاية في الوردية لا تنتمي للواقع بأصغر صلة، و هذا أمر آخر كشفته لنفسها، لِم كانت تسير علي خطى أفكار من حولها و تصنفهم في عقلها أنها أفكارها و آرائها الخالصة ؟!
لِم سمحت لهم بأن يصنفوها كما يريدون و يحاكموها إذ لم ترتق لهذا التصنيف، و تأتي تؤنب نفسها و كأنها المخطئة!! "
كانت ترفض فطرة جبلها الله عليها .. الضعف !
لكنها أبداً لم تعترف بهذا الرفض، إلا حين نضجت أخيراً.
ستضعف بعد قوتها، و ستنتكس بعد التزامها المسار او القالب أو التصنيف الذي وضعه غيرها لها، و ربما ستحيد عن الطريق لبعض الوقت قد يطول أو يقصر، هذا شأنها وحدها، لا شأن الجميع!
لكنها أدركت أن ليس كل ضعف هزيمة، فربما ضعفت الآن لتكتشف مصدر قوة جديد لها، و ربما خرجت عن تصنيفهم لتكتشف حقيقة نفسها أخيراً و بصدق.
"لَم أفكر في حياتي بهذا الشكل من قبل، إنه أكثر راحة و مرونة" هكذا شعرت، لكن و رغم ارتياحها الجزئي، فقد أخافها كونها وحيدة، وحيدة في قراراتها، في ضوضاء عقلها التي تؤرقها كل يوم، في حالاتها المتناقضة التي تعيشها ولا تعرف لها سبباً. لكن شيئاً قد قدر لها لن يمنعه خوفها هذا أبداً من المجئ، لذا فالأفضل أن تستجمع قواها و تشد من أزر حالها بنفسها.
في نهاية الحديث أكبر ما كشفت عنه جلسة المصارحة هذه، هي قناعاتها التي كانت تحجب عنها كل السلام الداخلي.
فقناع لإرضاء صورة الغير عنها و البقاء عليها كما هى، و قناع الإرادة الحرة حيث بشكل لاواعي توهم نفسها أنها تختار ما تريد لأنها تريده و ما هي تختار لذلك و إنما وضعتها مثالية من حولها في قالب ينتظر منها فيه أن تختار ما اختارت و إلا فسيحطوا من شأنها و تخيب ظنونهم. قناع المعايير المثالية لحياتها، قناع القوة الدائمة و التفاؤل المستمر.
أقنعة كثيرة حجبت عنها أن تعيش بسلام مع ذاتها، أو أن تعرف حقاً ذاتها و تتقبلها بغض النظر عمن حولها.
هي الآن تعلم من هي و ماذا تريد، تعلم أن الضعف ليس بهزيمة و الانتكاس ليس نهاية العالم، و تدرك أن أول من عليها إرضاؤه و تقبله هو نفسها، بغص النظر عن تقبل العالم للشكل الذي ارتضته لنفسها تلك
و بالرغم من أنها لم تعد لترسم حلماً جديداً بدلاً من القديم الملطخ ببصمات كل ما حولها إلا بصامتها... لكنها الآن تثق بقلبها أنه إذا قابل ما يريد سيعرفه حتماً.
هي الآن لا تخاف وحدتها، بل تستمد منها القوة و لا تخاف أن تحزن أو تبتئس، لأنه من حقها أن تحزن و ينطفئ بريقها لبعض الوقت، كي تستعيد شعلة حماسها من جديد فقد تعلمت درسها جيداً "لا ضرر أن تخور قواها و تنكفئ علي ذاتها رافضة العالم حولها، لأن بعد انكفائها تأتي انطلاقتها طالما تشبثت بصدقها مع ذاتها و تقبلها لها"

تعليقات
إرسال تعليق