الغرفة الزرقاء
ماذا تصنع إذا وقعت فريسة تجارب لأحد العلماء المجانين، و تم الزج بك في معمل سري و الاعتناء بك بشكل يثير الشكوك داخلك، المكان برمته مهيأ لك كي تطلق للطير الحر داخلك كل العنان، لكن ليس خارج حدود المعمل، و ليس خارج نطاق التجربة ..
يتركونك تقول كل ما يخطر ببالك، تنتقد الجميع حتي أكبر الكيانات و أقواها، ترسل الانتقادات الواحد تلو الآخر دون أن تتم مسائلتك أو مراجعة ما تقول، تصنع لنفسك عالم أفكار من الصفر و لك حرية الاختيار فيمن سينضم لعالم أفكارك الجديد و من سينبذ بعيداً عنه
تجربة شيقة، قد تدفع فطرة الحرية فيك إلي أقصى حدود المغامرة، لكن ربما لعواقبها جوانب أخرى غير تلك التي تبدو لك.
مع الوقت ستعتاد غرفة المعمل الرحبة علي ضيق حدودها، التي تتيح لك أن تكون " أنت" بكل ما أنت عليه و بكامل الحرية - أو هكذا يبدو .. سنرى!- و ستجد فيها ملاذك و تكره الخروج منها أو فكرة حتي انتهاء التجربة و الاستغناء عنها.
حين تصل لتلك النقطة المحورية من التجربة، سيرتكز مجرون التجربة علي أساس ألفتك لها بل و انغماسك فيها حد الإنتماء، و يجدونها فرصة ممتازة لرفع التجربة للمستوى الأعلى. سيتم تلقينك لاواعياً بأفكار كثيرة، متناقضة، سطحية تتوشح عباءة العمق و الكمال، و الغريب - كما سيتضح لك فيما بعد- أنك ستتشرب تلك الأفكار و تتجرعها كما الدواء، حتي يعتاد جسمك عليها و تفتر مستقبلاتك تجاهها، فتصبح جزءاً منك كأنك ولدت بها لا اصطنعتها داخلك.
ربما ستؤمن بتلك الأفكار لمدة قد تطول أو تقصر، و ربما ستبني عليها أحلاماً و قرارات في المستقبل. ستتعايش معها بكل سلام و تناغم و ستجد لها مكاناً في عقلك و تطوعها علي شخصيتك بأي شكل من الأشكال.
لكن و ما أن تستعيد وعيك بعد إغماءة طويلة و عميقة، لن تجد سوى صفع تلك الأفكار المُلقنة يلفح وجهك ساخناً بعنف. ستقف ذاهلاً كيف و متى آمنت بتلك التراهات؟ بل لِمَ من الأساس نبذت عقلك لثوانٍ فسمحت لها بالمرور من "فلاترك" الفكرية!
ستشعر كأنك انفصلت عن ذاتك ردحاً من الزمن و أصبحت غيرك، و ها أنت تنظر لنفسك التي كنتها و لازلت لا تصدق أنك بالفعل كنت هناك.
إذاً التجربة ليست بعيدة عن أيٍ منّا، بل هي بالتأكيد جزء من حياة الجميع ..
هذا المعمل الأزرق الإفتراضي، الذي صار للجميع غرفة خاصة به داخله، يقضي فيها من الوقت ما شاء، يطلق لجام عقله بلا قيد أو قانون يمنعه، يتمتع بكامل مزايا حريته التي ربما لا ينهض للزود عنها في واقعه بقدر ما يستميت دونها أمام الشاشة الزرقاء .. معمله، خليته، و ملاذه!
و مع الوقت صرنا نقرأ الكثير من الآراء و نتداولها فيما بيننا، آراء تخص كل شبر في حيواتنا (الدراسة، العمل، الدين، الحياة المجتمعية، السياسية، الزواج، الصداقة)
صار لكل منها الآن كتالوج يسري في المجتمع الأزرق، اتفق رواده عليه، و صدقوا علي فعاليته بشكل غيبي لا يكاد يعلم أحدهم متي و لِمَ تم ذلك علي هذا النحو بالذات؟!
صار لكل منها مشاهد توصيفية خاصة، بتفاصيلها و حتي الحوارات التي يجب أن تدور فيها
ماذا يجب أن تفعل و ماذا لا يجب، من يجب أن يشاركك هذا و كيف هي صفاته و كيف سيتعامل و ما المقدار الذي سيعطيك به اهتمام، متي تحكم علي الأشخاص بالنفي من حياتك، و متي تعطيهم فرصة أخري، متي يكون التجاهل تجاهل و متي يكون عزلة صحية للنفس يجب احترامها و تقديسها.
انتقل التلقين حتي إلي المفاهيم الجوهرية، ما هي الحياة و ما هي مقوماتها (السفر، الحياة الزوجية "السينمائية" السعيدة، النجاح "المادي" الطائل ف العمل، التميز "المبهر" في الدراسة) .. صار كل شئ دون حد المبالغة هو دون المقبول للحياة!
ثم ما هو الحب؟ .. كيف هو الحب؟
صفات الشريك المثالي، تفصيلاً ابتداءً بخواصه الجسمانية ثم الأخلاقية ثم الفكرية، مروراً بتلقين مشاهد كاملة للحوار بينكما و التعايش لا يمكن أن تتم العلاقة الصحية بدونها!
من حكم كل هذه التلقينات المجنونة!!
أشخاص تحت ذات التجربة التي تلقيت فيها تلقيناتك تلك، يمارسون ذات الحرية التي تمارسها أنت في معملك المنعزل الصغير.
قرروا أن لكل لحظة في الحياة كتيب إرشادات لابد و أن تسير وفقه دون إخلال أو تقصير.
لكنك ربما تفكر أن كل هذا النقد اللاذع ليس ضرورياً ... فربما تلاقت وجهتا النظر في نقطة الحرية التي منحها لنا معملنا الأزرق الصغير أليس كذلك؟
ربما أنا أيضاً أؤمن بكتيبهم قبل حتي أن أعلم بوجود من يشاركني نفس الرأي.
ربما أنت محق .. لكن اسمح لي بالإختلاف!
أن تتشارك مع أحدهم نفس وجهة النظر هذا أمر جميل، صحي ربما، لكن أن تحتكر وجهة النظر و لا ترى ما سواها فهذا ما يخلق مفاهيم مشوهة، و عقول متخبطة في كل ما احتكرته أو ظنت يوماً أن رأيها فيه كان الأصح و الأقرب للسداد.
عندما تصبح المفاهيم الجوهرية للحياة و الأسرة و العمل و الدراسة، و غيرهم، عندما تصبح مفاهيم مطاطة ذات أبعاد مترهلة، يتم توصيفها بكلمات مبهمة و تقديمها للساحة في شكل عميق، عاقل، سديد ... هذا الحمق بعينه!
لم تخلق تلك المفاهيم لتقدم قشورها دون الجوهر، و الجوهر يتأتي لك بالتجربة، و التجربة تختلف من فرد لآخر
لذا مهما كانت وجهة نظرك في مفهوم محوري ما، فيجب أن تكون نابعة عن تجربتك - تجربة حقيقية فعلية، قمت بها بكامل حواسك و وعيك، لا تجربة شاركت بها في مخيلتك و انطبعت عليها أحلامك و أمانيك-
حتي في تجربتك الواعية، تختلف المفاهيم و تتباعد و حتي تناقض نفسها و يولد لنفس المفهوم استثناءات عدة .. كلٍ حسب الموقف و الظروف و مقدار الوعي الذي سيتم التعامل مع المفهوم به.
لا أعلم أوصلتك الفكرة وراء كل هذا الشرح المفصل أم لا يزال وقع الكلمات غريباً مستهجناً
علي أي حال، لا تتغلل قناعة ما داخل أغشية القلب و العقل إلا حين ينغمس المرء بكليته في تجربة تحاكي تلك القناعة و تكشف له حقيقتها كما ينبغي.
خلاصة القول، معملك الأزرق أو حائط أمانك الإفتراضي أو حتى قفص الحرية الواهي هذا، سلاح ذو حدين، سلاح مسنون و مشوِّه لأبشع حد، لذا نصيحتي لنفسي مراراً و تكراراً ثم لأيٍ كان من يقرأ هذه الرواية المتواضعة لتجربة مجنونة وقع أغلبنا فأر معامل لاختبارها:
فكر في كل الزوايا الممكنة لأي كلمة و لو عابرة تمر بك في هذا الفراغ الإلكتروني العملاق. تسائل عن كل شئ و لا تجحم عن التشكك أيضاً في صحة كل شئ، و لأصدقك القول فربما فعلك هذا سينهكك قليلاً و يملأ وقتك الممتع المتراخي في معملك المريح إلي وقت الذروة داخل رأسك من ازدحام الأفكار و التساؤلات الجادة بها عوضاً عن أن يكون وقت ترخي فيه روابط عقلك قليلاً، لكن حتماً سيوفر عليك تجربة شاقة من التخبط بين المفاهيم و عدم تمييز الحقيقة أو الصواب في مرحلة ما.
حظاً سعيداً، يا رفيق/ة التجربة!
يتركونك تقول كل ما يخطر ببالك، تنتقد الجميع حتي أكبر الكيانات و أقواها، ترسل الانتقادات الواحد تلو الآخر دون أن تتم مسائلتك أو مراجعة ما تقول، تصنع لنفسك عالم أفكار من الصفر و لك حرية الاختيار فيمن سينضم لعالم أفكارك الجديد و من سينبذ بعيداً عنه
تجربة شيقة، قد تدفع فطرة الحرية فيك إلي أقصى حدود المغامرة، لكن ربما لعواقبها جوانب أخرى غير تلك التي تبدو لك.
مع الوقت ستعتاد غرفة المعمل الرحبة علي ضيق حدودها، التي تتيح لك أن تكون " أنت" بكل ما أنت عليه و بكامل الحرية - أو هكذا يبدو .. سنرى!- و ستجد فيها ملاذك و تكره الخروج منها أو فكرة حتي انتهاء التجربة و الاستغناء عنها.
حين تصل لتلك النقطة المحورية من التجربة، سيرتكز مجرون التجربة علي أساس ألفتك لها بل و انغماسك فيها حد الإنتماء، و يجدونها فرصة ممتازة لرفع التجربة للمستوى الأعلى. سيتم تلقينك لاواعياً بأفكار كثيرة، متناقضة، سطحية تتوشح عباءة العمق و الكمال، و الغريب - كما سيتضح لك فيما بعد- أنك ستتشرب تلك الأفكار و تتجرعها كما الدواء، حتي يعتاد جسمك عليها و تفتر مستقبلاتك تجاهها، فتصبح جزءاً منك كأنك ولدت بها لا اصطنعتها داخلك.
ربما ستؤمن بتلك الأفكار لمدة قد تطول أو تقصر، و ربما ستبني عليها أحلاماً و قرارات في المستقبل. ستتعايش معها بكل سلام و تناغم و ستجد لها مكاناً في عقلك و تطوعها علي شخصيتك بأي شكل من الأشكال.
لكن و ما أن تستعيد وعيك بعد إغماءة طويلة و عميقة، لن تجد سوى صفع تلك الأفكار المُلقنة يلفح وجهك ساخناً بعنف. ستقف ذاهلاً كيف و متى آمنت بتلك التراهات؟ بل لِمَ من الأساس نبذت عقلك لثوانٍ فسمحت لها بالمرور من "فلاترك" الفكرية!
ستشعر كأنك انفصلت عن ذاتك ردحاً من الزمن و أصبحت غيرك، و ها أنت تنظر لنفسك التي كنتها و لازلت لا تصدق أنك بالفعل كنت هناك.
إذاً التجربة ليست بعيدة عن أيٍ منّا، بل هي بالتأكيد جزء من حياة الجميع ..
هذا المعمل الأزرق الإفتراضي، الذي صار للجميع غرفة خاصة به داخله، يقضي فيها من الوقت ما شاء، يطلق لجام عقله بلا قيد أو قانون يمنعه، يتمتع بكامل مزايا حريته التي ربما لا ينهض للزود عنها في واقعه بقدر ما يستميت دونها أمام الشاشة الزرقاء .. معمله، خليته، و ملاذه!
و مع الوقت صرنا نقرأ الكثير من الآراء و نتداولها فيما بيننا، آراء تخص كل شبر في حيواتنا (الدراسة، العمل، الدين، الحياة المجتمعية، السياسية، الزواج، الصداقة)
صار لكل منها الآن كتالوج يسري في المجتمع الأزرق، اتفق رواده عليه، و صدقوا علي فعاليته بشكل غيبي لا يكاد يعلم أحدهم متي و لِمَ تم ذلك علي هذا النحو بالذات؟!
صار لكل منها مشاهد توصيفية خاصة، بتفاصيلها و حتي الحوارات التي يجب أن تدور فيها
ماذا يجب أن تفعل و ماذا لا يجب، من يجب أن يشاركك هذا و كيف هي صفاته و كيف سيتعامل و ما المقدار الذي سيعطيك به اهتمام، متي تحكم علي الأشخاص بالنفي من حياتك، و متي تعطيهم فرصة أخري، متي يكون التجاهل تجاهل و متي يكون عزلة صحية للنفس يجب احترامها و تقديسها.
انتقل التلقين حتي إلي المفاهيم الجوهرية، ما هي الحياة و ما هي مقوماتها (السفر، الحياة الزوجية "السينمائية" السعيدة، النجاح "المادي" الطائل ف العمل، التميز "المبهر" في الدراسة) .. صار كل شئ دون حد المبالغة هو دون المقبول للحياة!
ثم ما هو الحب؟ .. كيف هو الحب؟
صفات الشريك المثالي، تفصيلاً ابتداءً بخواصه الجسمانية ثم الأخلاقية ثم الفكرية، مروراً بتلقين مشاهد كاملة للحوار بينكما و التعايش لا يمكن أن تتم العلاقة الصحية بدونها!
من حكم كل هذه التلقينات المجنونة!!
أشخاص تحت ذات التجربة التي تلقيت فيها تلقيناتك تلك، يمارسون ذات الحرية التي تمارسها أنت في معملك المنعزل الصغير.
قرروا أن لكل لحظة في الحياة كتيب إرشادات لابد و أن تسير وفقه دون إخلال أو تقصير.
لكنك ربما تفكر أن كل هذا النقد اللاذع ليس ضرورياً ... فربما تلاقت وجهتا النظر في نقطة الحرية التي منحها لنا معملنا الأزرق الصغير أليس كذلك؟
ربما أنا أيضاً أؤمن بكتيبهم قبل حتي أن أعلم بوجود من يشاركني نفس الرأي.
ربما أنت محق .. لكن اسمح لي بالإختلاف!
أن تتشارك مع أحدهم نفس وجهة النظر هذا أمر جميل، صحي ربما، لكن أن تحتكر وجهة النظر و لا ترى ما سواها فهذا ما يخلق مفاهيم مشوهة، و عقول متخبطة في كل ما احتكرته أو ظنت يوماً أن رأيها فيه كان الأصح و الأقرب للسداد.
عندما تصبح المفاهيم الجوهرية للحياة و الأسرة و العمل و الدراسة، و غيرهم، عندما تصبح مفاهيم مطاطة ذات أبعاد مترهلة، يتم توصيفها بكلمات مبهمة و تقديمها للساحة في شكل عميق، عاقل، سديد ... هذا الحمق بعينه!
لم تخلق تلك المفاهيم لتقدم قشورها دون الجوهر، و الجوهر يتأتي لك بالتجربة، و التجربة تختلف من فرد لآخر
لذا مهما كانت وجهة نظرك في مفهوم محوري ما، فيجب أن تكون نابعة عن تجربتك - تجربة حقيقية فعلية، قمت بها بكامل حواسك و وعيك، لا تجربة شاركت بها في مخيلتك و انطبعت عليها أحلامك و أمانيك-
حتي في تجربتك الواعية، تختلف المفاهيم و تتباعد و حتي تناقض نفسها و يولد لنفس المفهوم استثناءات عدة .. كلٍ حسب الموقف و الظروف و مقدار الوعي الذي سيتم التعامل مع المفهوم به.
لا أعلم أوصلتك الفكرة وراء كل هذا الشرح المفصل أم لا يزال وقع الكلمات غريباً مستهجناً
علي أي حال، لا تتغلل قناعة ما داخل أغشية القلب و العقل إلا حين ينغمس المرء بكليته في تجربة تحاكي تلك القناعة و تكشف له حقيقتها كما ينبغي.
خلاصة القول، معملك الأزرق أو حائط أمانك الإفتراضي أو حتى قفص الحرية الواهي هذا، سلاح ذو حدين، سلاح مسنون و مشوِّه لأبشع حد، لذا نصيحتي لنفسي مراراً و تكراراً ثم لأيٍ كان من يقرأ هذه الرواية المتواضعة لتجربة مجنونة وقع أغلبنا فأر معامل لاختبارها:
فكر في كل الزوايا الممكنة لأي كلمة و لو عابرة تمر بك في هذا الفراغ الإلكتروني العملاق. تسائل عن كل شئ و لا تجحم عن التشكك أيضاً في صحة كل شئ، و لأصدقك القول فربما فعلك هذا سينهكك قليلاً و يملأ وقتك الممتع المتراخي في معملك المريح إلي وقت الذروة داخل رأسك من ازدحام الأفكار و التساؤلات الجادة بها عوضاً عن أن يكون وقت ترخي فيه روابط عقلك قليلاً، لكن حتماً سيوفر عليك تجربة شاقة من التخبط بين المفاهيم و عدم تمييز الحقيقة أو الصواب في مرحلة ما.
حظاً سعيداً، يا رفيق/ة التجربة!
