ثلاثة و عشرون، بالكاد!

في يوم مثالي مصحوب بأمطار تشرينية هطيلة، أتممت الثلاثة و العشرين من عمري.
-الكثير من الأعوام، أعلم هذا!-
لا أدّعي أن بأعوامي الثلاث و العشرين هذه قد أنجزت شيئاً عظيماً، مؤثراً أو ضخماً. -طبقاً للتعريفات العامة لهذه المواصفات- 
لأن هذا ما اعتقدت -بمثالية و براءة- في بداية أعوامي الواعية أنني خُلقت لأفعل..
لكن هذا تغير مع الوقت، ثم تغير مجدداً فوق تغيره الأول.

أنهيت دراستي عاماً تلو الآخر دون تأخير، طالبة مثالية، و غير مثالية في آنٍ، فلَم أحرز قط مركزاً أول على أي صف اجتزته بمثالية في التوقيت -إن كان يهم التوقيت من الأساس-
كنت فتاة مطيعة، أو بالأحرى خائفة دوماً، لذا لم أكن أجازف بفعل الكثير لتفادي "الورطة" و "العقاب"، فيال حظ والديّ السعيد!
ربما الشئ الوحيد الذي أحب أن انسبه إلى نفسي، أنني أعد نفسي صديقة رائعة -لحظة نادرة من الزهو بالذات، لكن شعورها فريد- 
حقاً أنا أقدس صداقاتي كثيراً للحد الذي يجعلني اغوص عميقاً في روح من أحب لاغرس هذه البصمة الدائمة و احرص أن تظل هكذا مصانة، مغروسة بحب و عناية، بعيداً عن مؤثرات الزمان و المكان الإعتيادية. هكذا أحب أن يتذكروني.. و ابذل ما استطيع كي يتحقق هذا، و حتى الآن أعتقد أني أقوم بعمل جيد جداً.

نشاطاتي تنوعت على مر السنين، باختلاف عوامل عدة، ربما لم يحصرها عقلي بعد في صورة كاملة.. ثبت منها البعض بإختلاف درجة الممارسة من وقت لآخر، و اضمحل البعض الآخر لا أعلم إلى أين.
أقنعتي تبدلت فوق الألف مرة، حتى أنني الآن ارتدي مصهوراً من جميعها في قناع واحد، في مرحلة "المسخ" التي لازالت ترهق عضلاتي التطورية للمرور منها بخير و سلام.

و فوق كل هذا بالطبع، أنا فتاة مواكبة! على حد اعتقادي بذاتي -ألست كذلك؟!- 
لدي حساب في أغلب منصات التواصل -رغم أني لا أكون نشيطة غير في اثنين مثلاً- لكن لأسرد الحقائق عن حياتي الإفتراضية، فهنا يتجلى بيت المقصد...
إذا ألقيت نظرة على صفحتي في العام بين 2012-2016 فربما تصفني ب "المتدينة" "الهادئة" "الرقيقة" أو "المثقفة"... ربما.
أما إذا طويت الصفحات قليلاً للأمام من العام 2017- حتى وقتنا الحالي ربما لن تجد لي وصفاً من الأساس.. صرت أشارك القليل من كتاباتي -المحببة-، و الكثير مما يعجبني، صوراً أو كتابات الغير، أو أفلام.. إلخ. المزاح، لم يكن مطروحاً من قبل -لا لشئ لكن، ربما وقار زائد، اراه غير محبب لي حالياً- أما الآن أجد في نفسي رغبة بين الحين و الآخر بمشاركة شيئ أو اثنين دغدغوا احشائي بالفكاهة. منشوراتي الدينية قلت، بالأحرى انعدمت، أو لم تعد بذات القالب القديم، شبه الدعوي، المثالي، البراق. صارت أخف نبرة، اهدأ حالاً، لا تتدخل فيما ينطوي عن حاجز المعرفة ليدخل برزخ المجهول، لا تصدر الأحكام و قوائم ال"افعل و لا تفعل" هكذا "مُطلقة" كأن الله لم يسن التغيير في نواميس الكون، أو لم يسمح لابن آدم بالخطأ و لم يملّ حتى نملّ نحن.

لكن على كلٍ اخشى أن الجميع قد انطبع لديهم وصف الشطر الأول من عمري الواعي ما أن رأوه، حتى صار شبه مستحيل أن تتغير نظرتهم -ليس أن هذا يهمني- لكن.. لِم تحتفظ بمعلومات قديمة تم تحديثها؟.. عجيب!
صرت اؤمن أكثر أنه لا يمكنك معرفة "كل شئ" أو ما نسميه بالصورة الكاملة عن أحدهم، لأن دائماً ما هناك وعد خفي بالتغيير، دائماً ما تخبئ الحياة منعطفات غير متوقعة، لذا لِم تسعى لتثبيت انطباع أياً ما كان؟.. لِم لا تسبح معهم على ذات الموجة التي يطفون عليها حالياً إذا وائمك هذا؟
ما علينا!

في الأعوام الثلاث، ربما الأربع، الأخيرة المنصرمة، كنت في رحلة أفعوانية عنيفة المنحنيات، لا تلبث أن تنطلق بي في خط مستقيم -ادرك قصره بعد لحظات- حتى تأخذني من أعلى نقطة ممكنة إلى القاع في أقل من الثانية، لا تترك لي متنفساً لأتعافى من ضغط السقوط على خلايا دماغي، حتى تترنح بي كالسفينة في رحم عاصفة هوجاء على أعتى المحيطات موجاً، يميناً و يساراً في عنف لأجد كل عظمة من عظامي تدك حوافها تكراراً كيائس يبغي ملجأ في العاصفة... 
-كثير من التشبيه، أليس كذلك؟ أحب تخيل حروفي، لذا أنا لا امانعهم على الإطلاق..-
لكن المقصد هنا، أن هذه السنوات دفعتني بقسوة خارج حدودي -بما تعنيه الكلمة إيجاباً و سلباً- تلك الحدود التي ظننت يوماً أنها بمثابة حصن لا يمكن اختراقه -سذاجة الأحكام المُطلقة.. مجدداً- 

لَم أخرج من منطقة راحتي سوى مرات قليلة نادرة جداً، بائت بنجاح و ذكريات سعيدة في أغلبها
 -أبرزهم حضوراً في ذهني، آخر شهرين في عامي الأخير بالجامعة، هذا نداء امتنان مستحق لهذه الفترة و لكل من سنحت لي الفرصة لأتعرف عليهم خلاله-
و مع ذلك يظل خروجي في كل مرة أخرى من قوقعتي بمثابة تمرين جسدي مرهق تُشَد فيه كل عضلة و وتر في جسمي المسكين.
لَم انطلق عبر المحيطات لأرى بلدان أخرى، اسبح في تواريخ و ثقافات مختلفة لأخرج على الضفة المقابلة و قد ازداد وزن عقلي مما وعى.
لكن لم يعد هذا يضايقني، لأنني أعلم من نفسي الآن أنني لست شخصية تحب الخوض في مغامرة وحدها، لا اشعر بالراحة لفكرة أن اجوب طرقات بلد غريب وحدي، أو اتذوق اطباقه الفريدة، أو فنه الأخاذ وحدي... أنا أميل أكثر لمشاركة كل هذا مع شخص -أو بضعة أشخاص- مميزين كفاية لدي.

بسهولة يمكن لأي من يقرأ هذه المحادثة العبثية، أن يأخذ انطباعاً قاسيت تبعاته المثالية لسنوات، لكن دعوني ازف لكم الأخبار العاجلة القادمة..
قد ابدو واثقة مما أفعل، محددة لما أريد، على دراية تامة بخطوتي القادمة... لكن أي يكن المسكين الذي صدق هذا عني لمجرد الانطباع "العاقل"، "الأكبر من سنه فعلي"، "المتزن"، "المنمق" الذي بشكل لا إرادي ينبعث مني كإشعاع نووي أينما تواجدت حول الناس، فأنا عكسه تماماً في الواقع.
أنا لا اعرف ماذا أفعل أغلب الوقت، لا اثق في أي من قراراتي حتى و ان فعلتها على أي حال-، و لا أعلم بالضبط ما أريد غير في تلك الثانية المحددة التي تسألني فيها.
أنا دائماً في فوضى إن لم تكن مادية حقيقية، فهي فوضى عقلية فكرية، و إن جاور الإثنان الصواب فهي فوضى نفسية شعورية... أنا فوضى. هذا بيت المقصد.
لذا نصيحة مستقبلية لا تسألوني "كيف ترين نفسك بعد خمس سنوات؟" أو "ما مخططات حياتك؟"... حقاً؟ مخططات حياتي؟ سأرتب مخططات لحياة كاملة وحده الله يعلم متى تنتهي من الأساس؟؟... أحياناً أشك في منطق البشر في هذه الأوقات.

لقد أخذت هذا العهد على نفسي منذ ثلاث سنوات.. لا تنظري لأبعد من سنة في حياتك، لا تحملي عبئ سنوات أنتِ لا تعلمي يقيناً أنها ستأتي من الأساس، بل لا تعلمين من ستكونين فيها. لا تتوتري لأنك لا تعلمين، ربما إذا علمتِ شيئاً ما و اعتمدتِ صحته انقضى العام و قد تغير إلى نقيضه تماماً و تغيرت معه مخططات الحياة التي رتبتها كلها. و ربما لا، لذا لِم التعجل بالمعرفة و الوقت كفيل بالإجابة على أي حال؟
على الأقل هذا ما أحاول تمرين عقلي عليه دائماً، قد ابدو ناجحة في تحقيقه، لكن دائماً ما يقبع الكثير أسفل القمة الجليدية.

أغلب ما أكتبه أو أعبر عنه، يتغير هو الآخر بمرور السنوات، لا، ربما بمرور الشهور...
ما اؤمن به الآن قد افقده لاحقاً، و ما لم اتخيله قط في حياتي، قد يصير فيها بين ليلة و ضحاها، فقط لأن هكذا هي الحياة، غير متوقعة، غير ثابتة، و لا حدود للتنبؤات فيها.. أي شئ بإمكانه الحدوث لأي أحد
قاعدة ذهبية أخرى هنا!
حاولت الكثير أن ارسم حدوداً معينة لحياتي. أن اغرس فيها أوتاداً عتيدة تظل هي الثوابت و يدور حولها كل ماهو ثانوي لدي، لكنني فشلت مرات عدة، أعجز حتى عن احصائها.
توقفت عن المحاولة أعتقد، ولا اعلم قطعاً ما أنا بصدده الآن بخصوص هذا.. ربما تجمدت عند هذا الحد إلى أن يرد جديد.

في أحاديث الفتيات الساخرة، علمت أن ثلاثاً و عشرين عاماً يمثلون رقماً مهولاً لبعض الصديقات حولي. 
حقاً؟... أعني، إنه مجرد رقم أليس كذلك؟
لكنني اكتشفت أنني ربما اهتم مثلهن تماماً بما يمثله هذا الرقم... ربما نتفق في بعض ملامحه و نختلف فيما بقى.
ليس فقط القادم منه، بل الماضي. فهي أعوام قد انقضت و لا سبيل للقائها الآن، ما قد حدث فيها حدث، و الأهم أن ما لم يحدث فهو لم يحدث، لكن القادم يمكنه أن يأخذ معه هذا العهد ليجدده، و يصير هو من يحرص أن يحدث كل ما أردناه و لم نفعل... و هكذا كل عام جديد حتى يحدث.

حين يتحدث الآخرون في مثل يوم مولدي عن تأثيري فيهم، و كيف أن لروحي بريقاً خاصاً لا تفقده مع الأزمات، استغربهم كثيراً.. رغم سعادتي بدفء حديثهم، لكن، ربما لم أعد أشعر بروحي كما اعتدت.. ربما فقدت بالفعل بريقها،و ما يرون الآن ماهو إلا آخر بريق فعلي يرونه على بعد ملايين السنين الضوئية. أعلم أنني ازداد قوة، لكن ربما ازددت معها جفاءً أو لامبالاة.
هناك عنصر دافئ مطمئن افتقده داخل روحي منذ سنوات، و أحاول أن استرجعه، لكن ربما لم تصدق إحدى محاولاتي بعد لأصل.
زاد الطين بلاً، مرارة الفراق. لم افكر يوماً في خاصية انغماسي بكلي في حب أحدهم أنها نعمة و نقمة في آنٍ، لم انظر قط للجانب الآخر منها، الجانب الذي يجعلني اتجرع مرارة الفراق و كأنه فراق جزء فعلي مني لا "آخراً" أعطيته حباً و اهديته  قلباً كاملاً كإضافة لطيفة للباقة!
فارقت من أحبتي بعضاً، و لم أكن أعي بعد لرحيل أغلب البعض الآخر، لكن حتماً ضربتني هذه الفاجعة الأخيرة في مقتل، رغم أنها لا شئ للبعض، لكنها بمثابة فقدان فرد من الأسرة، ابنٍ حتى، لم يتم عرس قدومه في قلبي العامين. و لازلت اتعافى من آثار ما خلفه فراقه.

على الرغم من تناقضات و متضادات هذه الخاطرة، فأنا أرى من نفسي فيها أكثر من أي ما كتبت حتى الآن. أشعر بالراحة لكتابتي إياها أيضاً... كأنني ارسم لوحة شخصية لنفسي، أطلع بها العالم كيف صار شكلي الآن، ماذا تغير، كيف صار؟ ... 
إحساس مشوق، مصاحب للنفس البشرية في الظهور و متابعة المستجدات حتى لو مع فرد واحد يهتم كفاية ليضيع من وقته كل هذا في قراءة عبث فتاة تائهة في الثالثة و العشرين من عمرها.
على كلِ، هذه أنا ببساطة و تعقيد، أعيش لحظة بلحظة، ارتب للقليل من المستقبل ترتيب عام دون ملامح محددة، امتلك من التعقيدات و المخاوف ما يجعل فتياتي المفضلات يضربنني جميعاً في آن واحد ضرب مبرح على رأسي ليستعيد صوابه، أمضي في حياتي دون الإلتفات لكثير من الضجة التي تحدث حولي، جزء من السلبية و اللامبالاة و جزء من إراحة أعصابي و ربما، ترشيد طاقتي ألا تستهلك مراراً و تكراراً في ابداء الأراء في كل شئ و كأنها حكيم الزمان المخضرم الذي لابد و أن يتحدث في "كل" ما يطرأ. أحب ما أحب كثيراً و بجنون، امتلك مهارات جيدة، و متنوعة لكنني لا أجيد الإعتناء بها بشكل دائم. اتعلم كل يوم عن نفسي، و الحياة... لا اعلم عن أيهم شئ ثابت و مُطلق، لأنني توقفت عن الإعتقاد بمُطلقية الأشياء منذ زمن. ولا اريد استعجال أي من خبرات الحياة التي تنتظرني، اريد ان اعيش كل منها بكلي.

لم أنوي لهذه الخاطرة أن تكون منمقة و مرتبة بأفكار متناسقة، ولا أن تقدم بإيجاز كل ما يمكن معرفته عن ثلاثة و عشرون عاماً منقضية. 
لا أقدم "الصورة الكاملة" هنا، و لن أحب فعل هذا... 
أردتها منقوصة، مبعثرة في كل اتجاه، متقبلة الخطأ بكل صدر رحب، آملة في التحسين، عشوائية تقفز من فكرة لأخرى هكذا دون الحاجة للمقدمات -التي عشقتها و تفننت في الاحتماء بها كلما تحدثت في أمر صادم أو صريح-، لا تعلم إلى أين تمضي، لكنها مستمرة على أي حال... كما قلت سابقاً كأنها لوحة لي بشكل أو بآخر!
لَم اصل مثلاً لنقطة صلبة انطلق منها بثقة إلى حياتي القادمة، أو لَم اكتشف شيئاً محورياً عن ذاتي قادني إليه تفكير و بحث مطول و حريص... أنا حتى لا أعلم ماذا سأفعل
في الدقيقة التالية لنشر هذه الخاطرة! و سأعتبر الإنجاز الوحيد قرب اتمامي الثلاثة و العشرين هو شراء هاتف جديد 
لذا لِم كتبتها؟ 
لا سبب يدفعني، واتتني رغبة في الرقص مع كلماتي قليلاً بمناسبة أحب الأوقات لقلبي خلال السنة كلها، و أحببت أن استعرض هذا على الملأ، ما المانع؟...

لكن جدياً، إذا ما أردت من هذه المحادثة العجيبة أن تصل لشئ ما.. ربما سأصل لنفسي، نفسي القديمة.
إليكِ يا أنا:
أعلم، أنا لست أفضل شخص تخيلتِ نفسك عليه بعد كل تلك الأعوام، لا تنظري إلىّ هكذا، سنكون بخير.. لا تذعري!
-يا إلهي، نحن حقاً شخص موتر-
اسمعي، لقد خذلتك في كثير من المواضع، أعتذر عن هذا. و قد أكون أضعت منا بعض الأجزاء الهامة في الطريق، و أنا أكثر منكِ ندماً على هذا، لكن أيرجع البكاء اللبن المسكوب إلى الزجاجة؟ لا أعتقد.. لذا تماسكي معي حتى أكمل ما أردت إخبارك به.
لن اتوقف أبداً عن المحاولة، أعلم أنني ربما لم أكن أحاول بما يكفي فيما مضى، لكنني لا اتوقف أبداً حتى و إن كانت نصف محاولات، ستكتمل إحداها يوماً، أعلم هذا...
لقد وعدتك بالكثير، و لم أوفى.. في الواقع تكاسلت كلتانا بمقدار الأخرى في هذا الأمر، فلتعترفي!... كل هذه المهام المؤجلة و الخطوات المركونة، لم يعد هناك أنسب من الآن لانتشالها من تلك الحفرة الزمنية المظلمة و نفض الغبار عنها لإتمامها أخيراً، أنتِ معي في هذا، أليس كذلك؟
جميل!
إذاً اتفقنا أننا لسنا مثاليتين، لسنا قريبتين حتى من أول و أقل درجات سلم المثالية. في الواقع، أبعد قليلاً عن أقرب مسافة للسلم حتى... لكن، نحن كل ما تملك الأخرى، كلتانا في الواقع تحمل ما تحتاجه الأخرى لتكتمل! 
هذا هو..!!
لِم نستمر بتسميتي "انعاكسك الأسوأ"؟ في حين أن ما نقص لدي يمكننا جبره من عندك و العكس صحيح. و هكذا تحصلين على توازنك الذي سلمتني رايته منذ سنوات لأكمل أنا البحث عنه!
الكلام أسهل من الفعل، أعلم.. لكن، كما قلت، لن اتوقف عن المحاولة -بجدية و صدق هذه المرة، أتمنى-
آه، كدت أن أنسى. لن نسمح لأحدهم أن يحصرنا في قالب أياً كان من مجرد أمارات استنطبها و ترجمها هو بعقله و معاييره الخاصة، لن نخضع للمفروض هكذا لأنه مفروض و الكل يسايره منذ سنوات.. ليس بدون أن نمرره إلى أجهزتنا الخاصة للكشف و الحكم.
سنحاول أن نكون أقل انفعالاً خاصة حين لا تسير بعض الأمور وفق ما خططنا لها و اخص بالذكر تلك التي نتمناها كثيراً -و لا توجد علامات واضحة بعد لحدوثها-
الأهم من هذا كله أننا سنكون بخير... 
أمل يوتوبي براق، لكن ما فائدة الخوض في الحياة بمصاعبها و قسوتها و بشاعة أحداثها في بعض الأوقات، دون هذا الدافع الأكبر في الوصول إلى اللحظة المثالية التي تصطف فيها النجوم في الفضاء على خط واحد، لتعكس ضوءً مضاعفاً على القمر الذي يزداد حجمه صدفة تلك الليلة ليضفي اللمسة المناسبة لوقت سحر خيالي مأخوذ من كتاب الحكايات؟!
لذا مهما تزعزع إيماننا في أن كل شئ سيكون على ما يرام، لابد أن نحيط أنفسنا بكل ما يذكرنا أن الحياة ليست خطاً مستقيماً، ليست أبيض أو أسود، هناك تعرجات، و تدرجات لمختلف الأطياف و الألوان، و إذا كنا الآن في الأسود ربما اللحظة القادمة نرى بريقاً أرجوانياً، أو رمادي متدرج لللبني مثلاً.
سنترك لنفسنا هذه المساحة من تشرب اللحظة التي نعيشها حالياً، مهما كانت، سنسمح لنفسنا أن تحزن و تغضب و تذنب و تبتعد أو حتى تتيه... لكن ستنتصر غريزة بقائنا كي نتألق في فلكنا الخاص من جديد، كي نصبح أفضل "إصدار" لنا، أخيراً!

على كلٍ، يا من قاده فضوله لمثل تلك المحادثة النفسية العجيبة، إذا كنت وصلت لهذا السطر فقد تحملت كل هذا الهذيان بقوة تحمل فلاذية، تهانئي... و شكراً، على ما أعتقد.

و إلى هنا ينتهى البث الأزرق!

تعليقات