هي إرادتك !

كثيرٌ من السياسيين و فقهاء الأحداث الجارية يزعمون أن أشد الأعداء ذكاءً هو ذلك الذي يلتقط عثرتك إن أنت غفلت عنها ، و يستخدم سلاحك ضدك ، و يهاجمك من حيث أغفلت التحصين
و هذا بالفعل ما يحدث ... فلن يضيع عدو ماكر يتلهف الفوز في المعركة فرصة غفلتك عن إحدي جهاتك في تحصينها ليضربك منها ضربة مقتلك !!
و أيُ عدو هذا أمكر أو أذكي من إبليس ؟! متوعد بنو آدم من يوم خلقهم إلي يوم يبعثون 
لذا كان هو أحق من ينتهز تلك الغفلات و العثرات و أجدر أن يستغل كل ثغرات إرادتك لينخر فيها أكثر و تتسع الهوة لتبتلعك فيها !





هناك هذا القلب الذي نشأ و ترعرع علي مبادئ و قيم و...إلخ
و أكمل طريقه هكذا حتي بعد أن صار شباباً و هم أكثر من يُعرف بالتمرد و الخروج عن القواعد و المبادئ لمجرد التجربة الجامحة
و بالرغم من كل هذا ... لازال هذا القلب صامداً يأبي أن يطيح بكل ما تغلغل داخله و اصطبغت به روحه و لا يفتأ أن يزدد يقيناً في أن له رباً سيراضيه كما هو أرضاه !



لكن لا يعني هذا أن هذا القلب لم يضعف مرة ، لم يتراجع للخلف خطوة ، كل هذا لا يجعل من هذا القلب " قديس " لا يخطئ بل هو مجبول علي الصراط المستقيم دون إعوجاج ، و أنه مهما أسدي نصائح بالإلتزام بالصراط يبقي هو القلب الذي لم يعرف الخطأ يوماً و لم يوضع تحت وطأة الإختيار بين الهوي و الصراط المستقيم أو الأحري بي أن أقول بين الهوي و الله !!


فلِمَ قد يُسدي نصائح ليس هو بمُدرك ما لها من توابع و أهوال الإختيار علي قلب مُستقبِلها ؟!

لكن هناك أيضاً ، القلب الطيب الذي يحب سماع كلام الله و يستلذ برؤية محبيه يتحدثون عنه و عن طريقه .. رغم أنه نفسه القلب الذي رغم حبه للسماع عن الله ، يسقط كثيراً !
و كل سقوط و الآخر يتبعه ألم الضمير المضني الذي سرعان ما يتحول إلي هوس ... حتي يُخيل لهذا القلب أن كل من يتحدث بنصيحة بصدد أمر ما أو بترك ذنب معين ، إنما يقصده هو بذاته
أصبحت صرخات ضميره تمتثل أمامه في كلام الناس ... و دون أن يدري ، ينتهي به الحال مختبئاً من نظرات و حديث الناس بكلمة " لا استطيع "

لا أستطيع ترك هذا الذنب ... فلقد اعتدته !
لا أستطيع ترك هذا الذنب ... فنفسي ضعيفة أمامه !
لا أستطيع ترك هذا الذنب ... فقد تعلق قلبي به و سيُكسر إذا ما تركته !

حتي أقوي القلوب إرادةً في مختلف مواضع الحياة ( دراسة و تحقيق ذات ، تغلب علي الظروف الصعبة ، كسر المستحيل للوصول للهدف ) كلها أمور تستلزم الإرادة القوية...و بالرغم من هذا قد تخضع تلك القلوب و تضعف أمام ألاعيب عدوها اللدود .. إبليس !
أكذوبة " لا أستطيع " هي الأشهر في ألاعيبه ، حيث يستخدمك...ضدك !!
استخدم قلبك ضدك و هواك ضدك و إرادتك ضدك ... جعلك خائن لنفسك ، تلوم ضعفك الإنساني أمام هذا الذنب و تشتكي عدم وجود بديل له أو الخوف من تركه و ما سيحدث بعد تركك له 


فلنتوقف قليلاً نلتقط أنفاسنا و نمر بمثل يقرب لأذهاننا هذا الصراع
مريض ، استفحل المرض داخله و توحش ... أصبح وهن الجسد لا قوة له ولا حول ... طريح الفراش مهترئ الملامح و الروح

ثم يشير عليه الطبيب بدواء قاسِ ... أشبه بالضغط علي جرحه الدامي ضغطاً شديد ... لكنه السبيل الوحيد ... للشفاء !
هنا يقف مريضنا أمام خياران :
يظل علي مرضه كي لا يذوق مرارة الدواء ... حتي و لو سينتهي به الحال صريع عناده !

أو يتحمل مُرّ الدواء و يقسو علي نفسه حتي يتم الشفاء ... حتي و إن تألم ، و صرخ ، و عاني من علاجه لكن هذا الألم مصيره الزوال ... سيبقي لبعض الوقت ثم سيجد مريضنا نفسه في خير حال ... للأبد !

أعتقد بهذا المثل البسيط ، تمثل المشهد القاسي أمام الأعين
" لا أستطيع " كانت هي الجملة الرئيسة التي شكلت الإختيار الأول أمام هذا المريض
خوفه من مرارة الدواء و قسوة العلاج جعله يعمي عن حقيقة أن هذا الدواء سيشفي آلامه و يعيد له روحه التي سلبها المرض منه...و جعله يرضي بآلام المرض الأبدية التي تجعل روحه تتآكل رويداً رويداً فقط كي يبتعد عن آلام الدواء المؤقتة التي بعدها تستعيد روحه روحها !


إذا تخيلنا حوار بين نوعي القلوب التي سردناها مسبقاً .. القلب السائر رغم العثرات ، و القلب المحب رغم ضعف الإرادة
فالقلب السائر سيقول : لِمَ تُعذب نفسك يا صديقي المحب ؟! ألم تعلم أن بداخلك القوة لتفعل ما تريد ... ألا تعلم أنك علي بعد خطوة واحدة من أكتمال روحك بخالقها !
القلب المحب : لا أستطيع !! ... حاولت كثيراً ، و عزمت مراراً و تكراراً ... لكني لا أزال ضعيفاً ، لا أستطيع

القلب السائر : ألا تري أنك حاولت ! أي أن حبك للطريق لازال متوهجاً داخلك .... لم لا تجعله هو سلاحك ؟ لم لا تقوي به علي ذاك الوسواس الذي ينخر في إرادتك و يهدمها ؟!!
أنت قادر ، أنت تملك ساحة المعركة و الأسلحة و الجنود ... أنت الأقوي !! أما ذاك الوسواس فلا يملك شيئاً لا حول ولا قوة ، لا عدة ولا عداد ... لكنه سبقكك لقلبك ، سبقكك لمحل قوتك ليضربك فيه ضربة مقتلك ، سبقكك لا بذكاء منه بل بخسة لإرادتك فأضعف جندك و أتلف عدتك ، و أنت استسلمت ، منكراً أنك تملك أي شئ لتقاوم به !!

أفِق ... أفِق أيها القلب المُحب ! لست بالضعيف ولا المهزوم .. بعد !
لازالت المعركة قائمة و لازلت تنبض ، فأختر أي نبض تنبضه تتخذه سلاحاً لك ضد عدوك : أنبضك بحب الله ؟ أم نبضك بسعيك لرضاه ؟ أو هو نبضك بشغفك لتظل قريباً منه حتي تلقاه ؟
أفِق أيها القلب المُحب ، فلا مرضك سيدوم و الموت بك محيط ولا دوائك مرارته تستمر و لك رب لطيف يخفف عنك قبولك العذاب لترضيه
أفِق ، و أمسك لجام جوادك و قُد معركتك  ، تحمل الألم و الجراح خلالها حتي و إن بترت منك أعضائك جميعاً .. ثابر و استمر و كن أقوي من ذي قبل و حارب أقوي مما كنت ... و انتصر !
نعم ،، انتصر ! انتصر و ارفع رايتك في وجه عدوك رغم جراحك ، رغم تألمك ... اثبت له أنك " بالله " الذي أعطاك الإرادة أنت " لا تُقهر " ولا تُذَل لهواك !

هي إرادتك ، فتحصن بها
هي إرادتك ، فلا تتخلي عنها
هي إرادتك ، فحارب دونها

القلب المحب : ........................................

ملاحظة : إلي كل من رأي نفسه في القلب المُحب ، أكتب ردك بعد أن تقرأ مراراً هذه الكلمات ... ثم الفظ عنك في كل حرف تكتبه قيود عبوديتك لهذا الذنب الذي يُعكر صفو روحك
أسأل الله أن يرحمنا و يلطف بقلوب محبة اشتاقت للقرب منه ، أن يقويها به و يعينها علي الطريق إليه و يردها إليه رداً جميلاً و يغفر لها ما مضي برحمته التي وسعت كل شئ 

تعليقات

  1. رائع جدا يتسم الكلام برونق خاص يدل على عمق وذكاء كاتبه

    ردحذف

إرسال تعليق